نتنياهو.. كنز إيران المدفون

نتنياهو.. كنز إيران المدفون

الاثنين - 14 محرم 1435 هـ - 18 نوفمبر 2013 مـ رقم العدد [12774]
عطاء الله مهاجراني
صحافي ايراني

بدأ يتسرب إلى نفسي اعتقاد أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صار كنزا لإيران! تماما كما اعتاد الإسرائيليون وصف الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد أيضا بكنز إسرائيل الثمين. كان اعتقادي صائبا مائة في المائة، فغالبا ما يصل الفكر المتشدد الأعمى في تطوره إلى نقطة يبدو فيها مختلفا تماما عن الفكرة أو الشعار الذي بني عليه في الأساس. وهناك قاعدة منطقية مهمة تقول: كل ما تجاوز حده انقلب إلى ضده! في أغسطس (آب) من عام 2008، قال أحمدي نجاد تصريحه الشهير بأنه يبغي محو إسرائيل تماما من خريطة العالم. ساعتها قال إفرايم هاليفي، الرئيس السابق لجهاز الموساد الإسرائيلي، إن «أحمدي نجاد منحة عظيمة لنا، فوجوده سوف يخدمنا إلى حد بعيد، ولن يقوم الموساد بعملية أفضل من أن يسعى إلى أن يصل رجل مثل أحمدي نجاد إلى قمة السلطة في إيران، فهذا الرجل سوف يوحد العالم بالكامل ضد إيران». وفي معرض حديثه عن تكهنات أحمدي نجاد المتكررة عن فناء إسرائيل وتشكيكه الدائم في صحة المحرقة النازية لليهود أثناء الحرب العالمية الثانية، قال هاليفي إن الزعيم الإيراني «أثبت للجميع أنه بات من المستحيل العيش مع إيران بسياساتها الحالية». كان هذا الطرح صحيحا، فالتوجه المتشدد الزائد على الحد الذي كان ينتهجه أحمدي نجاد، كان يبدو في ظاهره ضد إسرائيل، بيد أنه في الحقيقة كان يخدم المصالح الإسرائيلية إلى أبعد الحدود. فلطالما سلط الإسرائيليون، بمن فيهم بنيامين نتنياهو في خطابه في الأمم المتحدة، وكذلك وزير استخباراته يوفال شتاينتس، الضوء على أهم المقتطفات من مقابلة أحمدي نجاد الشهيرة مع برنامج «Hard Talk» على تلفزيون «بي بي سي» (BBC)، مما يعني أنهم ما زالوا يشعرون بالسعادة عند استدعاء تصريحات أحمدي نجاد. بيد أن إيران تشهد اليوم تغييرا استراتيجيا، ليس تغييرا فقط في نبرة التصريحات أو النهج السياسي المتبع، إنه تغيير استراتيجي بالكلية. فقد انهارت الآن فكرة عدم التفاوض مع «الشيطان الأعظم»، أي الولايات المتحدة، التي ظلت مقدسة لفترة طويلة من الزمن، وباتت إيران اليوم تتفاوض كثيرا وبشكل مباشر مع أميركا. كما أنه من الواضح أن أميركا هي الأخرى باتت مقتنعة بأن إيران تريد التوصل إلى حلول للعوائق التي تقف في طريقها، وأنها لا تريد إضاعة المزيد من الوقت في ذلك. بمعنى آخر، بات للنهج المتشدد الذي يتبناه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو حليفان فقط في كل من أميركا وإيران. في أميركا، الحليف هو السيناتور الجمهوري جون ماكين النائب عن ولاية أريزونا، والذي يعد نسخة طبق الأصل من نتنياهو. لا يمكننا أن ننسى أبدا أن السيناتور ماكين، الذي ضبط متلبسا بممارسة لعبة البوكر على جهاز الـ«آيفون» الخاص به خلال جلسة مهمة لمجلس الشيوخ، قد استوحى أغنية شهيرة لفرقة «بيتش بويز» الأميركية، الذي ذاع صيتها في ستينات القرن الماضي، وقال أثناء غنائه: اقصف، اقصف، اقصف إيران! والآن ينتقد جون كيري بشدة ويصفه بأنه «كرة هدم»، وهو وصف استوحاه ماكين من أحدث أغاني المطربة الأميركية الشهيرة ميلي سيروس ريكنغ بول. يقول ماكين خلال مقابلة له مع جيفري جولدبرغ يوم الخميس الماضي 14 نوفمبر (تشرين الثاني) في منتدى «أفكار واشنطن» الذي عقد في العاصمة واشنطن، عن سياسة كيري: «لقد تحول هذا الرجل، جون كيري، إلى كرة هدم بشرية. إنني أشعر بإحباط شديد». هذا التصوير الفظ لسياسة وزير الخارجية كيري كان مجرد «ضربة ريشة» في اللوحة الكئيبة التي رسمها ماكين للنفوذ المتراجع للسياسة الأميركية في العالم بشكل عام، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص. ويضيف ماكين: «إنني لم أشهد طوال حياتي مثل تلك الحالة من الفوضى التي تبدو عليها سياستنا في الشرق الأوسط، والتي ينعكس صداها السلبي على سياساتنا في شتى أنحاء العالم». ولا يقف ماكين في توجهه هذا وحيدا، ففي طهران، يمكننا أن نسمع نفس الصوت من المتشددين، وهم أناس الموت والحرب تجارتهم. وفي روايته الخالدة «الموت سلعتي» يروي الأديب الشهير روبرت ميرل حياة وأفكار القاتل النازي رودلف لانغ، ولو أن ديكارت يقول: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، فلانغ يقول: «أنا أقتل، إذن أنا موجود». في حقيقة الأمر، وعن خبرة تاريخية، أعتقد أن بندقية نتنياهو خالية من الرصاص، وهذا هو عنوان مقال لشيمعون شيفر نشرته جريدة «يديعوت أحرونوت» في 11 نوفمبر الماضي. وخلال توليه منصب رئيس الوزراء، استثمر نتنياهو أكثر من عشرة مليارات شيقل (نحو ثلاثة مليارات دولار أميركي) في تشييد البنية التحتية اللازمة لضرب المنشآت النووية الإيرانية، مما يعني أنه قد جهز سلاحه بالفعل! لكنني أعتقد أن شن حرب ضد إيران سوف يؤدي إلى كثير من العواقب التي لم تكن في الحسبان، ولهذا أعتقد أن نتنياهو بات كنزا ثمينا بالنسابة لإيران للكثير من الأسباب، أهمها: 1 - إذا ما أقدمت إسرائيل على ضرب إيران، فسوف تكتشف للتو أن إيران ليست هي عراق 1981 أو سوريا 2006. ففي «عملية البوستان»، استخدمت إسرائيل سلاح الجو لتدمير الموقع النووي السوري، فماذا كان رد سوريا؟ قال السوريون: «سنحتفظ بحقنا في الرد في الوقت المناسب»، بيد أن إيران قالت مرارا إن ردها سوف يأتي بعد دقائق قليلة من أي هجوم إسرائيلي، وهو ما سيؤشر على بداية حرب جديدة في المنطقة ربما تقود في النهاية إلى حرب عالمية ثالثة. وهناك الكثير من الكلمات المشتركة بين اللغتين الفارسية والعبرية، من بينها كلمة «بوستان» التي تعني «بستان الفاكهة»، وهي الكلمة التي أطلقتها إسرائيل على عملية تدمير الموقع النووي السوري. الحرب ضد إيران لن تكون «بوستان»! بل ستكون جحيما حقيقيا لكلا الطرفين وللمنطقة كلها. 2 - قامت إيران بإنشاء مواقعها النووية في أماكن مختلفة، ومساحة إيران أكبر من إسرائيل بمائة مرة، وعدد سكانها أيضا أكبر خمس عشرة مرة من عدد سكان إسرائيل، فكيف ستنجح إسرائيل إذا قامت بضرب إيران؟ 3 - سوف تستغل الحكومة الإيرانية الهجوم الإسرائيلي كفرصة عظيمة لخلق توافق وطني، ولو حدث هذا، فسوف يكون من المستحيل أن تجد شخصا واحدا أو مجموعة واحدة تقف ضد أو حتى تنتقد حكومة إيران. 4 - سعت إسرائيل دائما لاستغلال فوبيا إيران لتنحي جانبا مسألة فلسطين والفلسطينيين، وبالتالي فسوف يشكل أي هجوم ضد إيران فرصة مواتية للمسلمين لإلقاء الضوء على الملف الفلسطيني. 5 - سوف يكتب أي هجوم إسرائيلي على طهران نهاية للحركة الإصلاحية في إيران، لأنه عندما ينفخ في نفير الحرب، فسوف تخشع أصوات أخرى.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة