عدنان حسين
* كاتب عراقي
TT

إسلاميّو العراق يفرّون من إسلامهم السياسي!

هل هو موسم الهجرة من الإسلام السياسي في العراق؟.. وإلى ماذا أو أين؟
قد يكون الأمر كذلك، وقد تكون هذه الهجرة «فضائية»، وهذا تعبير عراقي خالص اختُرِع لوصف كلّ مَنْ تعيّن في وظيفة حكومية بمنصب ما، عالي المقام أو متواضع، تعييناً اسمياً، أي من دون دوام أو مسؤولية مباشرة، ولكن براتب كامل، ومعه في الغالب مخصصات عالية ومتنوعة قد تزيد قيمتها على قيمة الراتب الأساسي، ومعظم هؤلاء وهميون لا وجود لهم وتذهب رواتبهم ومخصصاتهم إلى جيوب المديرين والقادة. هذه الظاهرة تفشّت بعد 2003 على نحو غير مسبوق، بالذات في عهد حكومتي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حتى إنّ خلفه رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي أعلن بعد شهرين فقط من توليه الحكم، أنه اكتشف وجود 50 ألف عسكري فضائي في أربع فرق عسكرية فقط. هو قال أمام مجلس النواب في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014: «خلال فترة زمنية قياسية، شهر واحد، استطعتُ أن أكتشف من خلال التدقيق الورقي، خمسين ألف فضائي، في أربع فرق عسكرية»، وأضاف: «تمكّنّا من خلال تدقيق بسيط من اكتشاف ذلك، وإذا أجرينا تفتيشاً على الأرض فسنرى العجائب والغرائب».
«الفضائية» صارت نهجاً دائماً وتقليداً راسخاً في الحياة السياسية في «العراق الجديد» مع نظام المحاصصة الذي تجري على وفقه التعيينات في مناصب الدولة العليا والمتوسطة، وحتى في الوظائف الدنيا. وامتدّ هذا إلى القبول في الجامعات والمعاهد، بما فيها الدراسات العليا. وبموازاة «الفضائية» فتحت الأحزاب المتنفّذة في السلطة، وهي إسلامية في مجملها، أبواب عضويتها على مصاريعها في إطار التنافس الضاري في ما بينها على مصادر السلطة والنفوذ والمال.
هذه السياسة التي حقّقت للأحزاب المتنفّذة مبتغاها في الهيمنة على السلطة على مدى السنوات العشر الأولى، تحوّلت لاحقاً إلى وبال عليها، فقد أفسحت المجال أمام الانتهازيين والباحثين عن ملاذ من الأعضاء السابقين لحزب البعث ومن عامة الناس، لاحتكار جهاز الدولة واستثماره في ممارسة الفساد الإداري والمالي. صار متقلدو المناصب في هذه الأحزاب وفي الدولة يستثمرون ظاهرة «الفضائية» من أجل كسب الأصوات في انتخابات المجالس المحلية والبرلمان، لكنّ «عرس الواوية» (بنات آوى)، لم يدم طويلاً، فقد تبيّن للناس أن ظاهرة الفضائية وسواها من مظاهر الفساد الإداري والمالي في الدولة العراقية تُشرف عليها وتقودها قيادات هذه الأحزاب، عبر «اللجان الاقتصادية» التي افتضح أمرها علناً في العام الماضي، وهي لجان مكلّفة جباية الرشى و«الكومشينات» من الشركات الأجنبية العاملة في العراق، مقابل منحها عقود الاستثمار، وكذلك من رجال الأعمال المحليين الذين صار القسم الأعظم منهم شركاء للقيادات الحزبية في الأعمال. أدقّ وصف لهذه اللجان وطبيعة عملها أوجزه رئيس هيئة النزاهة حسن الياسري حينما أبلغ مجلس النواب مطلع هذا العام بأن «اللجان الاقتصادية للأحزاب عبارة عن أشباح... يعملون كل شيء في الخفاء».
مثقلة بفشلها الذريع على صعيد بناء الدولة التي وعدت بها، وبالكارثة الوطنية الكبرى المتمثلة بسيطرة تنظيم داعش الإرهابي بين ليلة وضحاها على ثلث مساحة البلاد من دون قتال، وبفضائح الفساد الذي طيّر مئات مليارات الدولارات من خزينة الدولة وقوّض مشاريع التنمية ونظام الخدمات العامة الأساسية، ومُهدَّدة بانحسار رصيدها بين الناس، وجدت قيادات الأحزاب الإسلامية أنه صار لزاماً عليها التخلّي عن عباءة الدين، وإن شكلياً، فالخطاب الديني - الطائفي ما عاد له صدى في الشارع العراقي المتكبّد خسائر بشرية ومادية جسيمة في ساحات الصراع الطائفي بين الأحزاب الإسلامية، تفاقمت كثيراً بالاحتلال الداعشي وفي مجريات حرب التحرير المستمرة إلى الآن.
موسم الهجرة من الإسلام السياسي افتتحه رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، القيادي البارز في الحزب الإسلامي (إخوان مسلمون) بإعلانه مطلع هذا العام تشكيل حركة سياسية خارج حزبه، هي «التجمع المدني للإصلاح»، فالحزب الإسلامي - كما سائر الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية - تردّت سمعته كثيراً في السنوات الأخيرة، بل صار غير مُرحب به حتى في مناطق نفوذه السابقة (السنية). آخر نازعي عباءة الإسلام السياسي هو عمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي (الشيعي) الذي شكّل حركة أُقصيت عنها الصفة الإسلامية، «تيار الحكمة الوطني». وقبل الاثنين كان التيّار الصدري قد تخلّى عن شعاراته بإقامة دولة إسلامية ليرفع شعار الدولة المدنية، وجسّد ذلك بدعوته لتشكيل حكومة تكنوقراط والتخلّي عن نظام المحاصصة، وبالتحاقه بحركة الاحتجاجات الشعبية (انطلقت في منتصف 2015 وتتواصل حتى اليوم) المُطالِبة بالإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد الإداري والمالي وإقامة دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة حتى لا يُستغل الدين في الأغراض السياسية والمطامع المادية. وكان أحد الشعارات الرئيسية للحركة الاحتجاجية «باسم الدين باقونا (سرقونا) الحرامية»، في إشارة قوية إلى انغماس قيادات الإسلام السياسي في وحل الفساد، وهو شعار صادف هوى وتأييداً ليس فقط من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بل أيضاً من المرجعية العليا للشيعة، مقرها في النجف، التي عبّرت عشرات المرات عن تبرّمها حيال استغلال الدين في الممارسة السياسية وفساد الأحزاب الحاكمة.
ائتلاف «دولة القانون»، وهو أكبر كتلة إسلامية في مجلس النواب العراقي يقودها حزب الدعوة الإسلامية وزعيمه نوري المالكي، هو الآخر بدأ يعلن عن تبني شعار الدولة المدنية.
هذا التزاحم على إلقاء الشعارات الإسلامية جانباً ورفع الشعارات المدنية لم تكرّسه برامج أو ممارسات تؤكد أنه خيار نهائي، وهذا مما يثير أعمق الشكوك بشأن صدقية هذا الاتجاه.