إسلاميّو العراق يفرّون من إسلامهم السياسي!

إسلاميّو العراق يفرّون من إسلامهم السياسي!

الاثنين - 15 ذو القعدة 1438 هـ - 07 أغسطس 2017 مـ رقم العدد [14132]
عدنان حسين
* كاتب عراقي
هل هو موسم الهجرة من الإسلام السياسي في العراق؟.. وإلى ماذا أو أين؟

قد يكون الأمر كذلك، وقد تكون هذه الهجرة «فضائية»، وهذا تعبير عراقي خالص اختُرِع لوصف كلّ مَنْ تعيّن في وظيفة حكومية بمنصب ما، عالي المقام أو متواضع، تعييناً اسمياً، أي من دون دوام أو مسؤولية مباشرة، ولكن براتب كامل، ومعه في الغالب مخصصات عالية ومتنوعة قد تزيد قيمتها على قيمة الراتب الأساسي، ومعظم هؤلاء وهميون لا وجود لهم وتذهب رواتبهم ومخصصاتهم إلى جيوب المديرين والقادة. هذه الظاهرة تفشّت بعد 2003 على نحو غير مسبوق، بالذات في عهد حكومتي رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، حتى إنّ خلفه رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي أعلن بعد شهرين فقط من توليه الحكم، أنه اكتشف وجود 50 ألف عسكري فضائي في أربع فرق عسكرية فقط. هو قال أمام مجلس النواب في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014: «خلال فترة زمنية قياسية، شهر واحد، استطعتُ أن أكتشف من خلال التدقيق الورقي، خمسين ألف فضائي، في أربع فرق عسكرية»، وأضاف: «تمكّنّا من خلال تدقيق بسيط من اكتشاف ذلك، وإذا أجرينا تفتيشاً على الأرض فسنرى العجائب والغرائب».

«الفضائية» صارت نهجاً دائماً وتقليداً راسخاً في الحياة السياسية في «العراق الجديد» مع نظام المحاصصة الذي تجري على وفقه التعيينات في مناصب الدولة العليا والمتوسطة، وحتى في الوظائف الدنيا. وامتدّ هذا إلى القبول في الجامعات والمعاهد، بما فيها الدراسات العليا. وبموازاة «الفضائية» فتحت الأحزاب المتنفّذة في السلطة، وهي إسلامية في مجملها، أبواب عضويتها على مصاريعها في إطار التنافس الضاري في ما بينها على مصادر السلطة والنفوذ والمال.

هذه السياسة التي حقّقت للأحزاب المتنفّذة مبتغاها في الهيمنة على السلطة على مدى السنوات العشر الأولى، تحوّلت لاحقاً إلى وبال عليها، فقد أفسحت المجال أمام الانتهازيين والباحثين عن ملاذ من الأعضاء السابقين لحزب البعث ومن عامة الناس، لاحتكار جهاز الدولة واستثماره في ممارسة الفساد الإداري والمالي. صار متقلدو المناصب في هذه الأحزاب وفي الدولة يستثمرون ظاهرة «الفضائية» من أجل كسب الأصوات في انتخابات المجالس المحلية والبرلمان، لكنّ «عرس الواوية» (بنات آوى)، لم يدم طويلاً، فقد تبيّن للناس أن ظاهرة الفضائية وسواها من مظاهر الفساد الإداري والمالي في الدولة العراقية تُشرف عليها وتقودها قيادات هذه الأحزاب، عبر «اللجان الاقتصادية» التي افتضح أمرها علناً في العام الماضي، وهي لجان مكلّفة جباية الرشى و«الكومشينات» من الشركات الأجنبية العاملة في العراق، مقابل منحها عقود الاستثمار، وكذلك من رجال الأعمال المحليين الذين صار القسم الأعظم منهم شركاء للقيادات الحزبية في الأعمال. أدقّ وصف لهذه اللجان وطبيعة عملها أوجزه رئيس هيئة النزاهة حسن الياسري حينما أبلغ مجلس النواب مطلع هذا العام بأن «اللجان الاقتصادية للأحزاب عبارة عن أشباح... يعملون كل شيء في الخفاء».

مثقلة بفشلها الذريع على صعيد بناء الدولة التي وعدت بها، وبالكارثة الوطنية الكبرى المتمثلة بسيطرة تنظيم داعش الإرهابي بين ليلة وضحاها على ثلث مساحة البلاد من دون قتال، وبفضائح الفساد الذي طيّر مئات مليارات الدولارات من خزينة الدولة وقوّض مشاريع التنمية ونظام الخدمات العامة الأساسية، ومُهدَّدة بانحسار رصيدها بين الناس، وجدت قيادات الأحزاب الإسلامية أنه صار لزاماً عليها التخلّي عن عباءة الدين، وإن شكلياً، فالخطاب الديني - الطائفي ما عاد له صدى في الشارع العراقي المتكبّد خسائر بشرية ومادية جسيمة في ساحات الصراع الطائفي بين الأحزاب الإسلامية، تفاقمت كثيراً بالاحتلال الداعشي وفي مجريات حرب التحرير المستمرة إلى الآن.

موسم الهجرة من الإسلام السياسي افتتحه رئيس مجلس النواب سليم الجبوري، القيادي البارز في الحزب الإسلامي (إخوان مسلمون) بإعلانه مطلع هذا العام تشكيل حركة سياسية خارج حزبه، هي «التجمع المدني للإصلاح»، فالحزب الإسلامي - كما سائر الأحزاب الإسلامية السنية والشيعية - تردّت سمعته كثيراً في السنوات الأخيرة، بل صار غير مُرحب به حتى في مناطق نفوذه السابقة (السنية). آخر نازعي عباءة الإسلام السياسي هو عمار الحكيم رئيس المجلس الأعلى الإسلامي (الشيعي) الذي شكّل حركة أُقصيت عنها الصفة الإسلامية، «تيار الحكمة الوطني». وقبل الاثنين كان التيّار الصدري قد تخلّى عن شعاراته بإقامة دولة إسلامية ليرفع شعار الدولة المدنية، وجسّد ذلك بدعوته لتشكيل حكومة تكنوقراط والتخلّي عن نظام المحاصصة، وبالتحاقه بحركة الاحتجاجات الشعبية (انطلقت في منتصف 2015 وتتواصل حتى اليوم) المُطالِبة بالإصلاح والتغيير ومكافحة الفساد الإداري والمالي وإقامة دولة مدنية تفصل بين الدين والدولة حتى لا يُستغل الدين في الأغراض السياسية والمطامع المادية. وكان أحد الشعارات الرئيسية للحركة الاحتجاجية «باسم الدين باقونا (سرقونا) الحرامية»، في إشارة قوية إلى انغماس قيادات الإسلام السياسي في وحل الفساد، وهو شعار صادف هوى وتأييداً ليس فقط من زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، بل أيضاً من المرجعية العليا للشيعة، مقرها في النجف، التي عبّرت عشرات المرات عن تبرّمها حيال استغلال الدين في الممارسة السياسية وفساد الأحزاب الحاكمة.

ائتلاف «دولة القانون»، وهو أكبر كتلة إسلامية في مجلس النواب العراقي يقودها حزب الدعوة الإسلامية وزعيمه نوري المالكي، هو الآخر بدأ يعلن عن تبني شعار الدولة المدنية.

هذا التزاحم على إلقاء الشعارات الإسلامية جانباً ورفع الشعارات المدنية لم تكرّسه برامج أو ممارسات تؤكد أنه خيار نهائي، وهذا مما يثير أعمق الشكوك بشأن صدقية هذا الاتجاه.

التعليقات

سالم علي
البلد: 
استراليا
07/08/2017 - 05:40

التحول الشكلي في سلوك المؤسسة الدينية في العراق هو نوع من التكتيك الجديد لامتصاص الأستياء والتذمر داخل وخارح العراق من استمرار الطائفية والفساد الحكومي وتعاظم دور الميليشيات الارهابية مثل الحشد الشعبي الذي هو اداة ايرانية لدعم الطائفية في العراق وحماية الاحزاب الدينية المعادية للعلمانية والمدنية. في خطابه الاخير طالب مقتدى الصدر ضرورة اخضاع الحشد الشعبي لسيطرة الدولة ولكن سرعان ما رد العبادي ان الحشد الشعبي باق تحت سيطرة الدولة وامرة المرجعية وهذا يؤكد ان المؤسسة الدينية في العراق التي يمثل العبادي احد رموزها غير مستعدة للتخلي عن السياسة الطائفية في العراق وعن الهيمنة الايرانية على القرار الديني والسياسي في هذا البلد المنكوب . ان توظيف الدين لاغراض سياسية هو تكتيك ايراني يتشبث به النظام العراقي والمرجعية في العراق لاتعارض هذا التكتيك

ابو رامي
البلد: 
nl
07/08/2017 - 06:27

شيء واضح ان هؤلاء لا يهمهم بل لا يؤمنوا بوطن ولا شعب إنما المهم السلطة والجاه والنفوذ والمال تحت اي شعار او مبدأ مزيف يتبنوه , هؤلاء يصح عليهم وصف دينهم دنانيرهم وقبلتهم ملذاتهم ومكتسباتهم ومصالحهم, مشكلة ليس العراق فحسب وإنما كافة اوطاننا العربية والاسلامية أننا نفتقد البديل النظيف النزيه الوطني المخلص وإن وجد فيلزمه الدعم والاسناد والحماية من حيتان الفساد ومافياته.

ناظر لطيف
07/08/2017 - 17:22

مقال جميل استاذ عدنان وهو يصف المشهد الحالي في العراق ، ومبدع هذا الوصف" الفضائي" للهجرة عن الاسلام السياسي وكما سميته. وهو بالتاكيد يصف حال النخبة السياسية المتسلطة اليوم في العراق. الحقيقة أن الشعارات ما عادت تسمن بل لا تغني من جوع. لقد فقدت أغلب النخبة السياسية مصداقيتها واستهلكت سمعتها خلال 14 عام عجاف على العراق.
ان أغلب الكتل كانت لديها مليشيات اشتركت في التصعيد والعنف الطائفي في عامي 2006 و2007 ولا زالت تلك الكتل تمتلك هذه المليشيات عمليا وان كانت بعضها أعلنت ان مليشياتها قد تحولت الى تيارات مدنية أو سياسية وهذه المليشيات تعيث فسادا بالعراق وأهله. ان الاعلان الدعائي عن التحول عن الاسلام السياسي الذي ان فقد وهجه اليوم لا يعدوا الا ان يكون شعارات فارغة من المعنى.

ناظر لطيف
07/08/2017 - 17:31

السؤال اليوم اين الأعتذار عن ما سبق من عام 2003 الى اليوم ومن ثم أين البرنامج عن القادم؟ ليكشف لنا التغيير يشكل عملي. في اعتقادي ان جميع الكتل عليها الاعتذار عن الفشل خلال المرحلة السابقة وهو اعتذار أخلاقي من دونه لا قيمة لاي تحول أو هروب فردي او جماعي من تلك الكتل. ان تمجيد الفترة السابقة باي وصف تلميعي بشكل مباشر أو غير مباشر بحد ذاته يعد استمرار لنفس النهج وهذا ما تم فهمه مثلا من خطاب التنحية للسيد عمار الحكيم. كما اني ادعو اليوم المرجعيات الدينية التي اشتركت بشكل مباشر أو غير مباشر في دعمها لأحزاب الاسلام السياسي الطائفي الاعتذار عن هذا الدعم وعن تمكينه من السيطرة على البلد ومن دون هذا الاعتذار تبقي الجماهير في لبس وستفقد هذه المرجيعات عاجلاً أو آجلاً مصداقيتها التي تآكلت عمليا عند جماهيرها. "هناك تكملة"

ناظر لطيف
07/08/2017 - 17:33

ربما يكون الاعتراف بالخطأ شجاعة لا يمتلكها كثيرون و لا يتحلى بها الا المخلصون.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة