إنعام كجه جي
صحافية وروائية عراقية تقيم في باريس.
TT

لينين ليس للبيع

منذ سنوات والمصور السويسري نيلس أكرمان يبحث عن تماثيل الزعيم الشيوعي لينين التي رُفعت من أماكنها ومضت إلى المخازن أو المِكبّات. نجح في العثور على 70 تمثالاً منها في أوكرانيا، التقط لها الصور وجمعها في كتاب بعنوان «بحثاً عن لينين». وهو يعرضها، حالياً، في ملتقى مدينة آرل للتصوير الفوتوغرافي، جنوب فرنسا. أنصاب تعب محطموها في إزالتها أكثر مما تعب نحاتوها. ويروي أكرمان أنه كان في مهمة صحافية يغطي انتفاضة في أوكرانيا، حين هجم المتظاهرون وأسقطوا أشهر تمثال للينين، كان قائماً في ساحة بيسارابسكا في العاصمة كييف. جاء ذلك التمثال إلى المدينة قبل سبعين عاماً، هدية من ستالين. منحوتة من حجر الكوارتز الأحمر، صمدت أمام انهيار الاتحاد السوفياتي، والثورة البرتقالية سنة 2004، لتتحطم بعد عشر سنوات بالمطارق والهراوات. شاهد المصور المهاجمين يضربون الحجر بكل قوتهم وكأنهم ينتقمون من الماضي وجراحه.
نقل أكرمان إقامته إلى أوكرانيا. ترك كل شيء وتفرغ لمطاردة تماثيل لينين دون هوادة، خصوصاً بعد صدور قانون مضاد للشيوعية. كانت تلك الجمهورية السوفياتية السابقة الأكثر كثافة بعدد أنصاب لينين في الكيلومتر المربع الواحد. جمعت 5500 تمثال منها.
قبل مائة سنة من الآن، وبعد سبع سنوات من الإقامة في المنفى السويسري، عاد فلاديمير إليتش أوليانوف، المعروف بلينين (1870 - 1924) ليتزعم الثورة في روسيا وينهي حكم القياصرة. كان قد تنقل في أوروبا، ما بين لندن وبرلين وباريس، يفكر وينظّر ويحضّر لقلب حكم القياصرة. وقبل عودته، بشهرين، وقف يتحدث أمام مجموعة من الشباب الاشتراكي في زيورخ. قال إن الثورة على أصحاب رؤوس الأموال في أوروبا آتية لا ريب فيها، ثم يضيف: «نحن الكبار في السن، قد لا نعيش لنرى تلك اللحظة».
في كتاب عن تاريخ الدبلوماسية السوفياتية بين الحربين، يذكر المؤلف جان فرنسوا فاييه أن لينين كان يحب ركوب الدراجات. وحدث أن سقط عن دراجته بينما كان متوجهاً للقاء أنصاره فوصل متأخراً إلى الاجتماع، مع جرح عميق في الحاجب وعين متورمة. أما زوجته ناديا كروبسكايا فقد كتبت أن زوجها ورفاقه كانوا يجتمعون في مقهى «لاندولت» في جنيف، يمضون الساعات في النقاش أمام أقداح البيرة. وبعد صعود نجم لينين، حفر صاحب المقهى اسمه على زاوية الطاولة التي اعتاد الجلوس إليها. وهناك مقهى شهير آخر في باريس، يرتاده المثقفون والفنانون، هو «لا كلوزري دي ليلا»، تزوره فتجد رقعاً معدنية صفراء في زوايا طاولاته، تحمل اسم لينين وغيره من المناضلين. كلهم مرّ من هنا.
لم تكن كروبسكايا المرأة الوحيدة في حياة الرجل صاحب العشرات من التماثيل في أنحاء الجمهوريات السوفياتية. فهو قد ارتبط بعلاقة مع الناشطة الشيوعية الفرنسية إليزابيت ديربنفيل التي سافرت إلى روسيا وتعرضت للاعتقال، قبل الثورة. عُرفت هناك باسم إنيسا آرمان. ولما بدأت جامعة موسكو بقبول البنات كانت من أوائل الطالبات فيها. وبسبب العشيقة تعكرت حياته مع الزوجة. ثم توصّلت المرأتان إلى معاهدة صداقة وتفاهم لكي لا تشوشا على فكر الزعيم.
قبل سنتين، اضطر الحزب الشيوعي الفرنسي إلى إغلاق متحف لينين في باريس. لم يعد هناك زوار. كان السياح يأتون من دول الكتلة الاشتراكية ليشاهدوا الشقة الصغيرة الواقعة في شارع «ماري روز». هنا سكن الزعيم السوفياتي أثناء إقامته في العاصمة الفرنسية ما بين 1909 و1912. نقلوا الكراسي والسرير والمكتب إلى مخزن العمارة. وانتظر الجيران أن تباع الشقة بسعر بخس. لكن مسيو فروستان، محاسب الحزب، يؤكد أن بيت لينين ليس للبيع، حتى الآن على الأقل.