مؤامرة على فرنسا

مؤامرة على فرنسا

الأربعاء - 10 محرم 1435 هـ - 13 نوفمبر 2013 مـ رقم العدد [12769]
بول كروغمان
اقتصادي اميركي

تصدر خبر خفض مؤسسة «ستاندرد آند بورز» يوم الجمعة التصنيف الائتماني لفرنسا عناوين الأخبار، وأشار الكثير من التقارير إلى وقوع فرنسا في أزمة. لكن الأسواق قالت إن تكاليف الاقتراض الفرنسية التي تقترب من أدنى مستويات تاريخية لها شهدت ارتفاعا طفيفا للغاية.

إذن ما الذي يجري هنا؟ للإجابة عن هذا التساؤل يجب النظر إلى تصرف «ستاندرد آند بورز» في سياق السياسات الأوسع نطاقا للتقشف المالي، وأنا أعني بذلك السياسات لا الاقتصاد. هذه المؤامرة ضد فرنسا هي دليل واضح على أن الانتقادات المالية في أوروبا، كما هو الحال في أميركا، لا تكترث حقا للعجز المالي، بل تستغل المخاوف من الديون لطرح أجندة آيديولوجية، وهو ما جعل من فرنسا التي ترفض الانصياع لهذه الآيديولوجيات هدفا للدعاية السلبية المتواصلة.

دعني أطرح لك فكرة عما نتحدث عنه. قبل عام وصفت مجلة «إيكونومست» فرنسا بأنها «القنبلة الموقوتة في قلب أوروبا»، تعاني من مشكلات قد تجعل المصاعب التي تواجهها اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا شيئا لا يذكر. وفي يناير (كانون الثاني) أعلن المراسل الاقتصادي لشبكة «سي إن إن» بأن فرنسا تشهد «سقوط حرا»، دولة تتوجه نحو باستيل اقتصادي، وسادت مشاعر مماثلة جميع النشرات الإخبارية الاقتصادية.

بعد هذه التقارير، عندما يعود المرء إلى البيانات الفرنسية يتوقع الأسوأ، ما تجده عوضا عن ذلك دولة تواجه صعوبات اقتصادية - ما الدولة التي لا تواجه صعوبات؟ - لكن الأداء العام قد يماثل أو قد يكون أفضل من غالبية جيرانها، باستثناء ألمانيا. فقد شهد النمو الفرنسي مؤخرا تباطؤا، لكنه لا يزال أفضل من غيره، كهولندا على سبيل المثال، التي لا تزال تحمل تصنيفا ممتازا. وبحسب التقديرات المعيارية، يعتبر العمال الفرنسيون أكثر إنتاجية من نظرائهم الألمان قبل عشر سنوات، ولا يزالون كذلك.

في الوقت ذاته، لا تبدو التوقعات المالية الفرنسية مثيرة للانزعاج بشكل واضح، فقد انخفض العجز في الميزانية بشكل واضح منذ عام 2010، ويتوقع صندوق النقد الدولي استقرار الدين بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير خلال السنوات الخمس القادمة.

وماذا عن عبء تقدم عمر السكان على المدى الأبعد؟ هذه مشكلة في فرنسا، كما هي الحال بالنسبة للدول الغنية. لكن فرنسا ذات معدل مواليد مرتفع أكثر من نظيراتها في أوروبا - يعود ذلك في جانب منه إلى البرامج الحكومية التي تيسر من حياة الأمهات العاملات - ولذا فإن المعدلات السكانية بها أفضل في كثير من دول جوارها، ومن بينها ألمانيا. في هذه الأثناء يشكل نظام الرعاية الصحي المميز في فرنسا، الذي يقدم جودة عالية بتكلفة منخفضة، ميزة مالية كبيرة.

وبالأرقام، سيكون من الصعب اكتشاف السبب في حصول فرنسا على هذا التقدير المنخفض، ولذا أكرر السؤال مرة أخرى: ما الذي يجري؟

لعل إحدى الإشارات على ذلك هي أنه قبل شهرين رفض أولي رين - المفوض الأوروبي للشؤون المالية والاقتصادية، وواحد من المحركين الرئيسين لسياسات التقشف القوية - السياسة المالية النموذجية الفرنسية على ما يبدو، والسبب في ذلك هو أنها كانت مبنية على زيادة الضرائب أكثر من خفض الإنفاق، وأعلن أن ارتفاع الضرائب سيدمر النمو وسيعيق خلق فرص العمل.

كان تفسير «ستاندرد آند بورز» لخفض ترتيب فرنسا أقل وضوحا، وترقى إلى نفس التفسير السابق بأن فرنسا أجرت تخفيض تصنيفها بسبب نهج للحكومة الفرنسية الحالية لإجراء الإصلاحات الهيكلية والميزانية للضرائب والإنتاج والخدمات وأسواق العمل، لا يتوقع أن ترفع من آفاق النمو على المدى المتوسط». ومرة أخرى، بغض النظر عن أرقام الميزانية، أين هي التخفيضات الضريبية ورفع القيود؟

قد تعتقد أن «ريهن» و«ستاندرد آند بورز» بنوا رأيهم على أدلة صلبة بأن الخفض في الإنفاق هو في الحقيقة أفضل بالنسبة للاقتصاد من زيادة الضرائب، لكنهم ليسوا كذلك، فالحقيقة أن الدراسة التي أعدها صندوق النقد الدولي تشير إلى أنه عندما تحاول خفض العجز في دورة الركود يكون العكس صحيحا، فرفع الضرائب المؤقت يسبب أضرارا أقل من خفض الإنفاق.

حسنا، عندما يبدأ الأفراد في الحديث عن مزايا الإصلاح الهيكلي يتحدثون عنه وكأنه عبارة دالة على خفض التصنيف، والأدلة على فوائد خفض التصنيف مشوشة بشكل كبير. ولعلنا نرى أن آيرلندا لقيت ثناء كبيرا على ما أجرته من إصلاحات هيكلية في التسعينات وبداية عام 2000، وفي عام 2006 وصفها جورج أوزبورن، وزير الخزانة البريطاني الآن، بأنها «مثال مشرق»، فماذا حدث بعد ذلك؟

إذن كان كل هذا يبدو مألوفا للقراء الأميركيين، وهو حقيقة بالفعل. فقد أثمرت الانتقادات المالية الموجهة للولايات المتحدة عن رغبة كبيرة في خفض الإنفاق على الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي أكثر من كونه خفضا فعليا للعجز في الميزانية، ويكشف مؤيدو التقشف في أوروبا الآن عن أنهم جميعا من نفس الشاكلة، فهم يرون أن فرنسا ارتكبت جريمة لا تغتفر عندما أعلنت عن مسؤوليتها المالية دون إلحاق الضرر بالفقراء أو المحرومين، ولذا ينبغي أن تعاقب.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو