وليد أبي مرشد
صحافيّ وكاتب وخبير اقتصادي لبنانيّ
TT

التحدّي الأبرز للرئيس ترمب

في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، شاعت المقولة المشهورة: «خصومة أميركا مكلفة... ولكن صداقتها أكثر كلفة».
لم يكن المقصود من هذه الملاحظة تجنّب صداقة أميركا، بقدر ما كان التحسّب لتقلّباتها الدبلوماسية. وإذا كانت خصومة أميركا لا تزال مكلفة، فإن الأمل في ثبات إدارة الرئيس دونالد ترمب على خط سياسي واضح في الشرق الأوسط بات وارداً إن لم يكن مطلوباً. بعد سنوات من الفتور، انعكست تدهوراً في سمعة الولايات المتحدة كما في استقرار المنطقة، وأتاحت «للدبّ الروسي» أن يتحوّل إلى لاعب رئيسي على ساحة المنطقة.
قمم الرياض كانت من أفضل القمم العربية الأميركية في مقاربتها للعلاقة مع واشنطن بمخاطبتها رجل السياسة/ الرئيس ترمب، عبر «رجل الأعمال» دونالد ترمب، في وقت يحتاج فيه إلى إنجاز دبلوماسي في مواجهة تبعات التحقيق الجاري في واشنطن حول ملابسات الدور الروسي في الحملة الرئاسية. على هذا الصعيد، يعود ترمب إلى واشنطن مزوّدا بترضية ثمينة للشركات الأميركية الكبرى والاقتصاد الأميركي. ولكن الإنجاز السياسي الذي حققته زيارة ترمب إلى المملكة العربية السعودية لا يقتصر على ما أورده البيان الختامي من قيام تحالف إقليمي في وجه الإرهاب، بل يتعدّاه إلى النقلة النوعيّة في موقف الرئيس ترمب من الإسلام، وتحديداً من دور الإسلام المعتدل في التصدي للتطرّف والتكفير.
وإذا كانت النوايا الحسنة تقاس بالأقوال بقدر ما تقاس بالأفعال، فمن الإنصاف أن يسجّل للرئيس ترمب تجاوزه هواجسه الانتخابية حيال الإسلام والمسلمين، فإذا به اليوم يذهب إلى أرضهم ليحضر ويشارك في قمّة تعقد في قلب أرض الإسلام ويبدي رؤيته في الإرهاب وأسلوب مواجهته.
المغزى البعيد الأمد لقمم الرياض أنها جمعت الرئيس ترمب مع الجهة الفاعلة في محاربة الإرهاب التكفيري، أي دول الأكثرية الديمغرافية الإسلامية، الأمر الذي انعكس سلباً على دور إيران في الشرق الأوسط.
قد يكون هذا «الانعطاف» السياسي الأميركي أبرز نتائج قمم الرياض وتصحيحاً واقعياً، لمنحى الإدارة الأميركية السابقة التي حرصت على مجاملة إيران أكثر من مواجهتها.
في هذا السياق، قد يصحّ وصف قمم الرياض بأنها قمم إعادة إيران إلى الخليج، والتصدي لدورها التوسعي في سوريا والعراق.
لم يسبق لأي رئيس أميركي أن جار على العلاقة التاريخية بين دول الخليج العربي وبلاده، مثل ما فعل الرئيس السابق باراك أوباما، رغم أنه تعهّد في «خطاب القاهرة» الشهير بفتح صفحة جديدة مع العالم الإسلامي. حتى الرئيس الأميركي الأكثر استعداءً لما كان يعتبره دولاً عربية «مارقة» أي جورج بوش الابن، خرج بمشروع تسوية مقبولة للقضية الفلسطينية (حلّ الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية المتعايشتين على أرض فلسطين) فيما فشل، أو أحجم، الرئيس أوباما عن الدفع لتحقيقها.
ورغم أن موقف الرئيس ترمب من القضية الفلسطينية لا يزال غير واضح المعالم، فإن الأمل كبير في أن يستتبع تعاونه مع العالم العربي على محاربة الإرهاب «ترضية» سياسية للعرب والمسلمين معاً... وفلسطين كانت، ولا تزال، المدخل الرئيسي لهذه الترضية ولاستعادة الشارع العربي ثقته بسياسة أميركية أكثر توازناً حيال الشرق الأوسط، فقبل أن تكتسب واشنطن حربها على الإرهاب عليها أن تكتسب قلوب العرب والمسلمين... وفلسطين هي المدخل الطبيعي إلى قلوبهم.
هذا، في نهاية المطاف، التحدّي الأبرز الذي يواجهه الرئيس ترمب في علاقته مع العالمين العربي والإسلامي.