الأسباب الخفية للتسويف

الأسباب الخفية للتسويف

الثلاثاء - 20 شعبان 1438 هـ - 16 مايو 2017 مـ رقم العدد [14049]
محمّد النغيمش
كاتب كويتي

تعددت أسباب التسويف، والمشكلة واحدة، وهي تأخير المزيد من المهام والقرارات والأنشطة. قد لا يعلم البعض أن قرارنا بتأجيل أعمالنا أو تسويفها يعود لأسباب خفية ربما لم يخطر بعضها على بالنا.
الباحثة الروسية الشهيرة، بلوما زيغارنيك، شغلتها هذه القضية، مطلع القرن الماضي، فعكفت على ملاحظة كل نادل في مقهى بفينيسيا كانت تحتسي فيه كوباً من الشاي مع مرشدها العلمي. فعكفا على متابعة سلوك الزبائن وكل نادل في المقهى، فلوحظ وجود ظاهرة مثيرة للاهتمام وهي أنه حينما يطلب الزبون الفاتورة كان النادل يتذكر بسهولة كل الطلبات. غير أنه حينما يدفع الزبون الفاتورة ويمضي لم يعد النادل يتذكر بالسهولة نفسها تلك الطلبات التي تلاها عن ظهر قلب. وهو ما فسر لاحقاً بأن لحظة دفع الفاتورة كان الخط الفاصل في مسح ما سبق من ذاكرته.
ولذا حاولت الباحثة إجراء دراسة على ‏مجموعة من المشاركين لمعرفة مدى ‏تذكرهم للأعمال التي يقومون بها، ‏حيث وزعتهم في مجموعات وطلبت منهم تعبئة مجموعة من الصناديق بأشياء متنوعة، وذلك لتباغت فئة منهم بطلب التوقف المفاجئ عن التمرين لمحاولات اختبار مدى تذكرهم. وكانت النتيجة ‏أن أولئك الذين لم يكملوا التمرين، بسبب التوقف المفاجئ، قد تذكروا جيداً ما وضعوه في الصندوق أما أولئك الذين أنهوا التمرين قبل أن يطلب منهم التوقف فلم يتذكروا بشكل جيد ‏ما أنهوه. وهو ما يشير إلى أن عقولنا فورما تنهي المهمة تبدأ بنسيانها، وإذا بدأنا بها ولم ننهها فإن عقولنا تذكرنا بما قد بدأناه ولم نكمله. ‏
‏وعلاقة ما سبق بالتسويف تكمن في أن ‏المرء يؤجل البدء في أعمال معينة نظراً لضخامتها أو خشيته من تداعياتها، وهذا ما يجعل مشكلة التسويف تكمن في جزئية البدء. وهذا ما أكدته دراسات عدة أظهرت أنه حينما يبدأ عقل الإنسان بمهمة معينة لبضع دقائق فإن عقله ينشغل بها حتى يكملها ويبقى متذكراً واجباته. وفوراً انتهائه منها ينساها وهذه بحد ذاتها نعمة أودعها الله تعالى في عقل الإنسان.
وقد ألف «ديفيد ألن» كتابه الرائع Getting Things Done الذي يعد من الكتب القليلة المتخصصة بالمهام اليومية، وبناه على فكرة أن كل ما يحتاجه المرء للتغلب على التسويف هو أن يشرع بالعمل المؤجل لمدة 15 دقيقة، بعدها سيبدأ عقله تلقائية بتحريضه على إتمام ركام الأعمال التي يسوفها، إما خوفاً من أعبائها أو تردداً لا يمت للموضوعية بصلة.
وأسوأ أنواع التسويف، حينما يؤجل القيادي الرفيع مصالح البلاد والعباد من دون أسباب وجيهة.
[email protected]


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة