النافذة والسور

النافذة والسور

الأحد - 18 شعبان 1438 هـ - 14 مايو 2017 مـ رقم العدد [14047]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
تزول الإمبراطوريات وتنتهي الإمبراطوريات عندما تصاب بالغرور، وتتوقف عن التعلّم. أيام روما، لم يكن يخيل إلى أحد أن روما سوف تزول كإمبراطورية. وما كان أحد يتخيَّل أيام الحضارة اليونانية أن أثينا سوف تتحول إلى مدينة ثانوية على خريطة العالم. وبريطانيا التي طاردت مغيب الشمس حول الأرض، لم تكن تتخيل أنها سوف تُصبح دولة في كنف مستعمرتها السابقة، الولايات المتحدة.
لم يكن هناك شيء اسمه الولايات المتحدة، بل ولدت من لا شيء، من مجموعات حضارات وثورات صناعية وهويات مختلفة. استوعبتها وصهرتها وتحولت بها إلى أهم دولة في العالم. سلاح الألمان وفكر البريطانيين وآداب فرنسا وفنون إيطاليا ومهاجرو أوروبا الشرقية ومواهب المهاجرين الآخرين، وإذا هي تملك «النازا» من جهة، وهوليوود من جهة أخرى. لم تتوقف لحظة عند أن الذي اخترع لها القنبلة الذرِّية ألماني، ما دامت القنبلة حسمت الحرب لحسابها. والذين أسسوا أهم مرحلة في تاريخ هوليوود كانوا جميعاً يرطنون باللغة الإنجليزية. وأشهر وجوهها كانت من بريطانيا، أو ألمانيا، أو حتى السويد.
كانت إسبانيا تنظر إلى مرحلة الأندلس في نكران وعداء. ثم تنبهت إلى أن من الأفضل لها أن تفاخر بها كجزء من تاريخها، وأن تعتبر أعلامها إسبانيين، لا عرباً تعاديهم. عباقرة العلم والفن والأدب لا هويات محلية لهم. إنهم ينتسبون إلى الحضن أكثر من الرحم. وقلّة يهمهم التوقف عند أن جوزيف كونراد بولندي، واسمه الأصلي كورزينفوسكي. لكن الجميع يعرفون أن كبار كتّاب الغرب تأثروا به، من وليام فوكنر إلى سكوت فيتزجيرالد، إلى همنغواي، إلى أندريه مالرو، إلى جورج أورويل، إلى غابرييل غارسيا ماركيز، إلى آخره.
الثقافات تثري بعضها بعضاً. العلوم تثري بعضها بعضاً. الأفكار تثري بعضها بعضا. فقط الحضارات الضعيفة تخاف التعلم والانفتاح. وفي النهاية، يؤدي انغلاقها إلى رطوبة مضرّة. تفوَّق الأميركيون على السوفيات لأنهم سبقوهم إلى العلماء الألمان. وأخذ الأميركيون من أساليب الدعاية الهتلرية درساً. فحولوها إلى عمل تجاري مقبول بعدما كانت عملاً سياسيا منبوذاً.
والخيار دائماً بين أمرين: إما أن تُرسل ميكانيكيا إلى عنق نجيب محفوظ، وإما أن تمنحه نوبل، وتحوِّله من روائي مصري كبير إلى روائي عالمي كبير.

التعليقات

رزق المزعنن
البلد: 
فلسطين
14/05/2017 - 05:10

برغم الكلمات المحدودة تسبح بنا استاذ سمير عطاالله في بحور المعرفة وامواجها الهادرة بسلاسة وقدرة قبطان يمسك الدفة بخبرة السنين الموارثة وبعمق الريادة والمهارة لتصل بالقاريء الى شواطيء لم يتخيل يوما أنه واصلها بمثل هذا العمق والرشاقة ،فعلا غباقرة الآداب والفنون والمعرفة العلمية ليس لهم أوطاناً محلية ،فخبراتهم تنسب لمن يستطيع الاستفادة منها ومراكمتها وتحويلها الى منتج .
شكراً جزيلا.

احمد قاسم
البلد: 
المملكة المتحدة
14/05/2017 - 05:18

شكرا لك استاذ سمير. مقال رائع كما عهدنا من قلمك المبدع. هي دعوة للثقافة العربية للانفتاح والتفاعل مع الثقافات الاخرى والارتقاء ومواكبة الحداثة.

ابراهيم بن عمر
البلد: 
دانمارك
14/05/2017 - 08:54

للحقيقة كلمات جميلة ولكنك نسيت ان 40 بالمءة منهم علاب حسب الاحصاءات الامريكية منذ مءة سنة ولا ننس ان حسن كامل الصباح كان في امريكا واخترع حوالي 50 اختراعا من بينها التلفزيون وغيرهم كثير ومنهم لبناني كان لدى شركة طيران الهليكوبتر في دورانها ووضع احد المهندسين في لبنان وكان موزفا في الشركة فوضع طريقة لوضع مروحة في ذيل الطاءرة وغيره كثير من العرب احمد زويل د فيصل الباز من مصر لذلك لا تقللون من عباقرة العرب لاءن حكلمنا لا يريدون تشجيع علماؤنا فيدعوهم للخروج للخلرج باءمرة اسيادهم في الخارج 0

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
14/05/2017 - 10:52

الدولة العظيمة هي التي تستوعب وتستقطب كل المبدعين من ارجاء المعمورة دون النظر الى جنسهم او معتقدهم وهذا أحد اهم اسرار عظمتها وتطورها.
مقال رائع شكرا لك

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
14/05/2017 - 13:53

النموذج الناجح في بناء الحضارة مستفيدا من تنوعها يمكن ان يسري على كثيرمن الشعوب والحضارات خصوصا بعد ثورة المعلومات وعصر التقنية التي قربت جميع الشعوب والثقافات والاختراعات والصناعات .....الخ واسكنتهم جميعا في قرية واحدة بعدها لايبقى الا التفاعل واكتساب الثقة للعطاء والتأثير والتأثر من بعضها البعض

صلاح
البلد: 
أستراليا
14/05/2017 - 14:42

مقال جميل جدا,, ولكن كلمة " يرطنون" أخذتني بعيدا.
معنى يرطن في المعادجم هو التحدث باللغه الأعجميه ..
ولكن استخدمها الكاتب استخدام مزدوج ,
هل يقصد انهم يتحدثون بلغه غير الانجليزيه؟
ام يقصد يتحدثون باللغه الانجليزيه, ولكنهم غير امريكان؟

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة