كاتب مصري وخبير في مجال الإعلام والاتصال. مدير مكتب«الشرق الأوسط»في القاهرة. عضو مجلس الشيوخ. عمل مستشاراً ومدرباً مع عشرات المؤسسات الإقليمية والدولية.
لم تعد الإساءة والتنمُّر والكراهية على «الإنترنت» أفعالاً عابرة تنتهي بانتهاء لحظة النزق التي تحرك المُدوِّن؛ بل أصبحت صناعة كاملة لها جمهورها وحوافزها.
من أغرب مفارقات البيئة الإعلامية المعاصرة أن الجمهور يظهر كشخصين مختلفين في آن واحد؛ شخص يتحدث إلى الباحثين، وشخص آخر يجلس أمام الشاشة. الأول يعلن بإخلاص أنه
لم يعد للسبق الصحافي ذلك البريق الذي كان يمنح غرفة التحرير شعوراً بالانتصار حين تسبق منافسيها بدقائق معدودة، ذلك أن الحرب في إيران وأوكرانيا وغزة، والزلازل.
يبدو المشهد الصحافي اليوم في سباق مختلف تماماً عما عرفته الأجيال السابقة من الصحافيين؛ فبعدما كانت المنافسة الحقيقية تدور حول مَن يسبق الآخر في نشر الخبر، صارت.
أمام شاشة صغيرة في مقهى مُزدحم، أو على هاتف محمول في قطار سريع، أو داخل غرفة معيشة تتنوع فيها الأجيال، تتكرر الصورة نفسها كل أربع سنوات. تتوقف الأحاديث، وتُحبس.
يجلس جو روغان، مقدم بودكاست «تجربة جو روغان» في استوديو مُجهز، في أوستن تكساس، أمام ميكروفون، يتحدث لثلاث ساعات دون نص ودون رقيب، فيستمع إليه في الحلقة الواحدة.
صناعة الأخبار لا تموت في هذه الأثناء، وهي لن تموت أبداً، ولكنها تنزف وتعاني. وبين هذين الحدَّين تقع أزمة مُعقَّدة لا تُفهم بمجرد قراءة أرقام الانتشار ولا برصد.
حين كتب أرسطو قبل أكثر من ألفي عام عن وسائل الإقناع الثلاث: المصداقية، والعاطفة، والمنطق، كان يفترض ضمناً أن الثقة في المتحدث هي المدخل الأول إلى التأثير.
لطالما كانت أسئلة التحقق في عصر الإعلام الحديث بسيطة ومباشرة: هل هذه الصورة حقيقية أم مُزيفة؟ هل وقع هذا الحدث بالفعل أم جرى اختلاقه؟ هل قال المصدر هذا الكلام.