في عبارة شهيرة لكارل ماركس يقول: «إن التاريخ يُعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة». ويبدو أن بعض الإعلاميين العرب لم يقرأ هذه العبارة، أو يستوعب معناها؛ لذلك، فإنه يكرر ما حدث من أخطاء مع شبكة «الإنترنت»، ومواقع «التواصل الاجتماعي»، في صورة مهزلة؛ بطلها اليوم هو الذكاء الاصطناعي.
لم يتأخر الإعلام العربي بشتى أنماطه في استخدام الذكاء الاصطناعي. فقد دخل غرف الأخبار بسرعة، وتسلل إلى الصفحات والشاشات، واستقر ضمن أدوات الصحافيين والكتّاب والمترجمين والفنانين. غير أن الأداة التي وُعدنا بأنها ستختصر الوقت وتساعد العقول، صارت في كثير من الاستخدامات الإعلامية عبئاً جديداً، لأنها لم تُستعمل بوصفها وسيلة مساعدة، بل بوصفها بديلاً عن الجهد والمسؤولية والضمير المهني. هكذا لم نستخدم الذكاء الاصطناعي بقدر ما ابتذلناه بإقحامه في معاركنا وكسلنا وسوء تقديرنا.
أولى صور الابتذال تتجلى في الاعتماد المُفرط داخل بعض غرف الأخبار. تُنتج تقارير كاملة عبر أدوات توليد النصوص، وتُنشر أحياناً بلا تدقيق كافٍ، فتتسلل الأخطاء المادية، وتختلط التخمينات بالحقائق، وتذوب الفروق بين الصياغة الرشيقة والتحقق الصارم.
يُغري الإيقاع السريع والمنخفض التكلفة بعض المؤسسات بأن تستبدل الصياغة الآلية بجزء من التحرير البشري، فتتراجع قيمة الخبر بوصفه نتاج تحقق وتمحيص، لا مجرد نص مُنسق. ومع تكرار ذلك، يتآكل معيار الجودة، ويصبح الخطأ حادثاً عابراً لا مساءلة فيه.
ثم تأتي الثقة المفرطة. فقد أظهرت تقارير دولية حديثة أن مستويات الثقة في تقنيات الذكاء الاصطناعي ترتفع في دول نامية مقارنةً بدول متقدمة أكثر حذراً. هذه الثقة غير المشروطة تُترجم إعلامياً إلى تسليم شبه كامل بمخرجات الأداة، كأنها حكم نهائي لا يحتمل المراجعة. يتعامل بعض الصحافيين والمترجمين مع النص المُولّد بوصفه نسخة جاهزة للنشر، لا مسودة أولى تحتاج إلى تدقيق. ويُفضي ذلك إلى أخطاء موضوعية، وإلى انزلاق غير مقصود في تحيزات كامنة داخل البيانات التي دُرِّبت عليها النماذج.
ويتخذ الابتذال صورة أخرى في انتهاك الحقوق الأدبية والفنية: كاتب ينقل نصاً مُولداً كما هو ويضع اسمه عليه، فيضيع الحد الفاصل بين الاستعانة المشروعة والانتحال المُقنع. فنان تشكيلي يعتمد على الصورة المُولدة اعتماداً كلياً، من دون إضافة بصمته أو الإفصاح عن مصدرها، فتتآكل فكرة الإبداع الفردي. مُترجم يكتفي بمخرجات الآلة من دون مراجعة سياقية وثقافية، فيخرج النص بارداً فاقداً للروح والحس الإنساني... هذه الممارسات لا تسيء إلى أصحابها فحسب، بل تُربك مفهوم الملكية الفكرية، وتفتح الباب لنزاعات قانونية وأخلاقية لم تُحسم بعد.
أما في ساحات الإعلام الرقمي المتشابك مع السياسة، فقد جرى توريط أدوات مثل «شات جي بي تي»، و«غروك»، في نزاعات شعبوية حادة. يُطرح على الأداة سؤال ملغوم عن وقائع تاريخية «شائنة» تخص شعباً آخر، أو تُستدرج لإبراز إحصاءات تُشيطن خصوماً سياسيين، ثم تُقتطع الإجابة وتُنشر خارج سياقها بوصفها شهادة محايدة صادرة عن «الذكاء». فيتحول الأنموذج إلى «شاهد زور» في معركة هوياتية، ويُستعمل كوقود جديد لمعارك قديمة.
ولم تقف الإساءة عند ذلك الحد؛ فقد استُخدمت تقنيات التوليد الصوتي والمرئي في فبركة تصريحات أو مقاطع تُنسب إلى شخصيات عامة، أو في إعادة تركيب مشاهد توحي بوقائع لم تحدث. ومع ضعف الإشارة إلى أن المحتوى مُولَّد، يختلط المزيف بالأصيل، وتُستنزف طاقة الجمهور في التحقق بدل الفهم. وهنا يتضاعف العبء على المؤسسات الإعلامية التي تجد نفسها مطالبةً بالتصحيح المستمر، في بيئة تلتهم فيها الأكاذيبُ الحقائق.
يطرح ذلك سؤالاً مُلحاً: كيف ننتفع من الذكاء الاصطناعي من دون أن نبتذله في ممارساتنا العبثية؟ البداية تكون بالاعتراف بأنه أداة مساعدة وليس بديلاً عن العقل البشري. ينبغي أن يبقى التحرير البشري هو الحاكم الأخير على النصوص، وأن تُبنى سياسات واضحة داخل المؤسسات الإعلامية تحدد مواضع الاستخدام وحدوده، وتُلزم بالإفصاح عند اللزوم. كما يجب تدريب الصحافيين على مهارات «التحقق من مخرجات الذكاء الاصطناعي»، لا الاكتفاء بمهارات طرح الأسئلة عليه.
والاستفادة الرشيدة تقتضي أيضاً ترسيخ أخلاقيات الإفصاح والملكية الفكرية. إذا استُعين بالأداة في كتابة مقال رأي، أو في تصميم عمل إعلامي، فليُكن ذلك معلوماً في حدود لا تُهدر الجهد الشخصي ولا تُضلل المتلقي. وليكن الاعتماد عليها في الترجمة أو التحليل خطوة أولى تليها مراجعة بشرية دقيقة تحافظ على روح النص وتحترم سياقه.
أما في «السوشيال ميديا»؛ فعلينا أن نكفَّ عن استدراج النماذج إلى معاركنا العبثية. فليس من الحكمة أن نطلب من خوارزمية أن تحسم نزاعاً تاريخياً، أو أن تُدين شعباً، أو تُمّجد آخر.
