د. ياسر عبد العزيز
TT

مَن يروي الحكايات في زمن المنصّات؟

استمع إلى المقالة

لم يعد انتشار منصات البث الرقمي العالمية في الدول العربية مجرد ظاهرة تكنولوجية عابرة، بل تحوّل إلى واقع ثقافي يومي يعيد تشكيل علاقة المجتمعات العربية بالصورة والسرد والخيال.

معدلات المشاهدة المرتفعة، والنمو المستمر في أعداد المشتركين، يكشفان عن انتقال مركز الثقل من الشاشة التقليدية إلى المنصات العابرة للحدود، التي تخاطب الفرد مباشرة، وتعيد صياغة وقته وذائقته وقيمه أيضاً. وهذا النمو لم يكن مفاجئاً؛ فقد تلاقى مع انتشار «الإنترنت» عالي السرعة، وتغير أنماط الاستهلاك الإعلامي، ورغبة الجمهور، خصوصاً الشباب، في محتوى متجدد، جريء، وغير مُقيد ببرامج البث التقليدية.

غير أن هذا النجاح التجاري والتقني يخفي خلفه سؤالاً أعمق وأخطر: ماذا يعني أن يتشكّل الوعي الجمعي العربي، يوماً بعد يوم، عبر محتوى أجنبي في معظمه، يحمل منظومات قيمية وثقافية لا تنتمي إلى السياق العربي؟

الواقع أن الجزء الأكبر من المحتوى المعروض على هذه المنصات في المنطقة العربية لا يُنتَج محلياً، ولا يعكس بالضرورة أولويات المجتمعات العربية أو حساسياتها الثقافية والدينية. هو محتوى قائم على سرديات «الفردانية» المتطرفة، وتطبيع أنماط سلوكية وقيم اجتماعية وأخلاقية تتعارض في كثير من الأحيان مع البنى القيمية التي تقوم عليها المجتمعات العربية؛ من مفهوم الأسرة، إلى العلاقة بين الأجيال، إلى الدين، إلى معنى الحرية والمسؤولية.

ومع أن بعض هذا المحتوى يُقدم بوصفه «ترفيهاً مُحايداً»، فإن التراكم اليومي للمشاهد، وتكرار الرسائل الضمنية، يصنع أثراً عميقاً يتجاوز التسلية، ويؤثر في اللغة والخيال وتصورات الصواب والخطأ، خصوصاً لدى الفئات العمرية الصغرى، التي تتلقى هذا المحتوى دون أدوات نقدية كافية.

هذه الإشكالية ليست حكراً على العالم العربي؛ فقد واجهت أوروبا الموجة نفسها قبل أكثر من عقد، حين بدأت المنصات الأميركية تهيمن على شاشاتها، وتزاحم الإنتاج المحلي، وتغرس حمولاتها الثقافية.

غير أن الرد الأوروبي لم يكن انفعالياً ولا خطابياً، بل جاء في صورة سياسات واضحة وتشريعات مُلزمة؛ ففي عام 2018، فرض الاتحاد الأوروبي على منصات البث الرقمي، مثل «نتفليكس» و«أمازون» و«ديزني»، تخصيص ما لا يقل عن ثلاثين في المائة من بثها الموجه لأوروبا للأعمال المحلية، مع إلزامها بإبراز هذا المحتوى، ومنع تهميشه في واجهات العرض.

لم يكن الهدف تجميلياً، بل كان جوهرياً؛ وهدفه ضمان حضور فعلي ومُستدام للإنتاج المحلي في فضاء تهيمن عليه الشركات العابرة للقوميات.

بعض الدول الأوروبية ذهبت إلى أبعد من ذلك. فرنسا، على سبيل المثال، لم تكتفِ بنسبة الثلاثين في المائة، بل فرضت على المنصات استثمار نحو خمسة وعشرين في المائة من إيراداتها المحلية في إنتاج أعمال أوروبية وفرنسية، وفق شروط محددة تضمن دعم المنتجين المستقلين وصناعة السينما الوطنية.

هذه التجربة تُظهر بوضوح أن حماية الهويّة الثقافية لا تعني الانغلاق، وأن تنظيم السوق لا يتناقض مع الابتكار. وما فعلته أوروبا، ببساطة، هو أنها تعاملت مع المحتوى السمعي البصري بوصفه شأناً سيادياً وثقافياً، لا مجرد سلعة.

في المقابل، يبرز المشهد العربي كمساحة شبه خالية من سياسات مماثلة؛ إذ لا توجد نِسب إلزامية للمحتوى العربي على المنصات العالمية، ولا يوجد تنسيق إقليمي يستجيب للطابع العابر للحدود لهذه المنصات، بل كل دولة تتحرك منفردة، غالباً من زاوية تنظيمية أو رقابية ضيقة، بينما يُترك السؤال الثقافي الكبير بلا إجابة واضحة.

غياب البيانات (الداتا) هو في حد ذاته مشكلة؛ فلا يمكن صياغة سياسات فاعلة دون معرفة دقيقة بحجم المحتوى العربي، ومعدلات توزيعه بين الدول، وبموقعه الحقيقي في خرائط المشاهدة، كما أن غياب دور فاعل لجامعة الدول العربية في هذا الملف يعكس فجوة مؤسسية إقليمية في التعامل مع أحد أخطر تحديات العصر الرقمي.

الحاجة اليوم ليست إلى خطاب أخلاقي غاضب، ولا إلى شيطنة المنصات، بل إلى سياسات ذكية ومتدرجة... تبدأ بتوفير بيانات شفافة، ثم بدراسة التجارب الدولية الناجحة، وفي مقدمتها التجربة الأوروبية، ثم بتطوير أدوات تجمع بين الإلزام والحوافز: نسب محتوى معقولة، ومساهمات استثمارية في الإنتاج المحلي، ودعم حقيقي لصناعة عربية قادرة على المنافسة لا على ملء الفراغ فقط.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بمسلسل هنا أو فيلم هناك، بل بالسؤال الجوهري عمن يروي قصتنا في زمن المنصات. فإما أن نكون أصحاب صوت وحضور في الفضاء الرقمي العالمي، وإما أن نكتفي بدور المستهلك الصامت في سرديات الآخرين. والفرق بين الخيارين لا تصنعه النوايا الطيبة، بل السياسات الواعية، والقرارات المدروسة، والإيمان بأن الثقافة ليست شأناً هامشياً، بل خط الدفاع الأول عن الهوية في عصر الشاشة.