اللبناني أحقّ من السوري!

اللبناني أحقّ من السوري!

الأحد - 18 شعبان 1438 هـ - 14 مايو 2017 مـ رقم العدد [14047]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"
لم تكن العريضة التي أطلقتها مجموعة من الناشطين اللبنانيين، لا نعرف بينهم سوى اسم امرأة، وتطالب بعودة النازحين السوريين إلى «المناطق الآمنة» في بلادهم، لتحصد توقيع تسعة عشر ألف شخص في ثلاثة أيام، لو لم يكن التوتر كبيرًا. رفع يافطة احتجاجية هنا أو هناك تقول «اللبناني أحق من السوري في العمل»، في مدن وبلدات فتحت بيوتها حين كانت الأزمة في أولها، لدليل على أن الأمر يتعاظم. بلدية «البداوي»، القريبة من طرابلس، التي وضعت الضيوف في قلبها ذات يوم، قررت أخيراً، تطبيق القانون الصادر عن وزارة العمل، بعد تراخٍ، ومنع السوريين من ممارسة أي مهنة مخالفة، وكان ذلك حتى وقت قريب، إجراءً مرفوضاً من السكان أنفسهم.
اتهام الموقعين على العريضة المثيرة للجدل والمتململين بالعنصرية البغيضة، لا يحلّ أزمة. الشتائم المتبادلة لا تفضي إلى حلول. تسييس قضية محض إنسانية - وهذه علّة عربية مستفحلة - يدخل في سجال عقيم، لهو القبح بعينه، والأذى المجاني الذي يفضي إلى خراب. محاولة «الجامعة الأميركية» الاستفادة من خبرات باحثيها لمسح الأرض، وفهم الواقع بالأرقام، يساعد على إدراك بعض المعطيات. أحد الأساتذة قرر أن ينشر تغريدة كل يوم، تكافح الشائعات المغلوطة، بمعلومة تخفف الاحتقان. لم تقصّر «المفوضية العليا للاجئين»، على أي حال، بنشر أرقام دورية لتوضيح الصورة. المجتمع المدني اللبناني ينشط بدوره. يوجد مئات المتطوعين يساعدون في إسداء خدمات للمحتاجين. دفعت الدول المانحة مليارات الدولارات، وخسر لبنان ما يقارب 20 مليارًا، وتعاني كل بناه التحتية، ومع ذلك، الألم يزداد بدل أن ينقص.
اللبنانيون يعترضون بصوت أعلى، بعد أن كانت النبرة خافتة، ليس لأنهم صاروا أكثر عنصرية، بل اشتدّ الخوف. كلما طالت المدة، تفاقمت الأزمة وأحسّت الأسر المنكوبة، أنها بحاجة إلى مداخيل إضافية وعلى شبانها أن ينحتوا في الصخر لينقذوا عائلاتهم. لا يعوز اللبناني دراسات أكاديمية، ليعرف أن السوري أخذ مكانه في دكان الحي، وصالون الحلاقة، وتوصيل الطلبيات، وفي الفرن والمطعم والمقهى، فيما هو يسند حائطًا على قارعة الطريق. هذا يراه بعينيه. أصحاب المصالح الكبرى يفضلون السوري لا لقومية نابضة، ولا لروح إنسانية فياضة. رأس المال يحب التوحش، ويبحث عن الربح. بمقدور المستثمر أن يدفع للنازح نصف الحد الأدنى ويرضخ، يحرمه من الضمان الصحي ويبقى صامتًا، يطلب منه العمل لساعات إضافية ويقبل. لا خيار أمام الحاجة سوى السكوت. ولا يملك المحرومون من نعمة العمل، سوى أن يتداولوا أسماء مطاعم يطالبون بمقاطعتها، لأنها قطعت أرزاقهم كي تدفع أقل وتجني أكثر. يحكى عن طرد مئات العمال اللبنانيين لاستبدال سوريين بهم. «الواتساب» يوزع لوائح المؤسسات، والناس تقرأ وتتساءل عن المستقبل، وتتبادل الاتهامات، وتختلف على تحميل المسؤوليات.
كانت البطالة تطال 11 في المائة، صار ربع الأهالي دون عمل.
يغبن لبنان، حين يتم تسليط الضوء على مظالم النزوح فيه وحده. السوري الذي ترك بيته حاله ليس أفضل، في دول مجاورة، تقاس فيها جرعات الحرية وتضبط وفق الحاجة. قوانين اللجوء هناك متعسفة، وتطبيقها لا يخضع لرأي السكان وأمزجتهم. ثمة أوضاع جحيمية يتم التكتم عليها، وتصمت وسائل الإعلام وحتى الوكالات عن فضحها، لأنها تمنع من الاطلاع على تفاصيلها. الأسى السوري أكبر من حجم لبنان. النكبة تعمّ المنطقة كلها، والتردي يتفاقم، والحروب تنهش حتى أولئك الذين ظنوا أنفسهم في منأى عنها.
«أخي السوري عذرًا، الأمم المتحدة تساعدك، نحنا مين بيساعدنا؟» كتب على إحدى اليافطات، وعلى أخرى «أخي السوري عذرًا، أنا أحق منك بالعمل في هذا البلد». للمرة الأولى يتعرض موزعون للخبز لسرقة الأرغفة في مناطق فقيرة، أثناء جولاتهم اليومية. كان ثمة فقراء كثر، صار في لبنان جوعى.
أصبح شائعًا أيضًا، أن يتصدى مواطنون لموزعي المساعدات على السوريين، مطالبين بحصتهم، لأنهم يفوقونهم فقرًا. حقًا، الوضع لا يبشر بخير، خصوصاً أن النزوح يتركز في غالبيته الساحقة، بين الشمال والبقاع المنطقتين الأكثر شحًا وعوزًا.
لا يجدي أن تنشر معلومات حول إيجارات بالملايين يدفعها النازحون، وحركة عقارية نشطت بفضلهم، وبعض فرص العمل التي ولدت، واستثمارات وظّفت. هذه حقائق، لكنها تعزز الشعور بالغبن، وتؤكد أن الموسرين وأصحاب العقارات من لبنانيين وسوريين هم المستفيدون. هؤلاء لا يعنيهم، أن يكون واحد من كل ثلاثة في البلاد نازحًا، بقدر ما يريدون لغلة آخر الشهر أن تكبر.
العصبية جزء من تركيبة المنطقة وآفاتها. العنصرية مرض خبره السوريون مع العراقيين حين كانوا ضيوفهم، وها هم يتبادلونه مع اللبنانيين اليوم. ردّ ما لا نعرف له علاجًا إلى نوازع شريرة وكفى، يعني أننا نختبئ خلف إصبع. الأزمة تشتد، وأول ضحاياها هم رقيقو الحال الذين لا يجدون في جيوبهم ما يسكتون به غضب الآخر ويهدئ روعه. وكما في كل الحروب الصامتة، ينتصر الكبار ويتواطأون على التهام الصغار، بينما هم منشغلون بنزاعاتهم على كسرة خبز.

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة