الجماهيرية أنجبت جماهيريات.. ومبادرة «الجامعة» غير مضمونة!

الجماهيرية أنجبت جماهيريات.. ومبادرة «الجامعة» غير مضمونة!

الخميس - 8 رجب 1435 هـ - 08 مايو 2014 مـ رقم العدد [12945]
صالح القلاب
كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق

«أنْ تأتي متأخرا خيرٌ من ألاَّ تأتي أبدا»، فهناك الآن توجُّهٌ يبدو أنه جدي هذه المرة، بأن تتحرك الجامعة العربية، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من فشلها الذريع في سوريا للملمة الأوضاع المزرية فعلا في ليبيا والاستنجاد بالدول الكبرى المؤثرة في هذا الشأن؛ الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، لإنهاء هذا الصراع الدموي الذي مزَّق هذا البلد العربي العزيز فعلا وحوَّل جماهيرية القذافي، غير المأسوف لا على شبابها ولا على شيخوختها، إلى جماهيريات تحكم بعضها عصابات مسلحة لا هدف لها إلاَّ السلب والنهب والتنكيل بالشعب الليبي الذي كان ينتظر أمنا واستقرارا واستئناف مسيرته السابقة الواعدة التي كان قطع الطريق عليها انقلاب «الفاتح» في عام 1969.
وحسب هذه التوجهات، فإن الجامعة العربية تسعى لقرار من وزراء الخارجية العرب بتكليف شخصية دبلوماسية مجرَّبة، أغلب الظن أنها ستكون الدكتور ناصر القدوة، الذي كان قد استقال من مهمة مساعد المبعوث العربي والدولي الأخضر الإبراهيمي لحل الأزمة السورية قبل فترة. والواضح، حسب المعلومات، أن الجامعة العربية لن تكرر أسلوب تعاملها الذي انتهى بالفشل بالنسبة للأزمة السورية، وأنها ستسعى لإجماع عربي في هذا الاتجاه، كما أنها ستحاول الابتعاد عن الانحياز إلى أي طرف من أطراف الصراع في ليبيا، وأنها ستركز بالأساس على المؤتمر العام وعلى الحكومة التي انبثقت عن اجتماعه الأخير، وكل هذا إنْ صمدت هذه الحكومة حتى بدء هذه «المبادرة» المشار إليها التي يبدو أنه لا تزال تواجهها عقبات وصعوبات كثيرة.
والمشكلة أن الجامعة العربية، ومعها الدول الكبرى التي ستستنجد بها ومن بينها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا، ستواجه في ليبيا فوضى مدمرة لم يواجهها الفريق، الذي أرسلته إلى دمشق بقيادة محمد أحمد الدابي لحل الأزمة السورية، والذي كما هو معروف فشل فشلا ذريعا وعاد بلا أي إنجاز يذكر، فهذا البلد، أي ليبيا، ما إن سقطت جماهيرية القذافي حتى وجدت نفسها تغرق في فراغ قاتل فتحولت إلى شظايا دولة يتنازع على كل شظية منها العديد من التنظيمات المتخاصمة والمتناحرة، والتي لم يسْتطِعْ أي منها، حتى الآن، الإمساك بأزِمَّة الأمور والسيطرة على الأوضاع المتردية وفرض إرادته على التنظيمات والتشكيلات الأخرى إنْ ليس بالتفاهم والتسويات، فبالسلاح والقوة العسكرية.
وهنا، فإن ما بات معروفا وواضحا ومتفقا عليه، بصورة عامة، أنَّ هذه الأنظمة الاستبدادية التي حكمت في ليبيا وفي العراق ومن بينها بالطبع هذا النظام الذي لا يزال يحكم في بعض أجزاء ومناطق سورية قد دمَّرت الحياة السياسية في هذه البلدان ومزَّقت وحدتها الوطنية، وهذا هو ما جعلها تغرق في الفوضى غير الخلاقة بمجرد اهتزاز هذه الأنظمة وجعلها تواجه ما تواجهه الآن من صراعات ومن بروز تنظيمات إرهابية ومن غياب للدولة الموحدة الواحدة وبصورة شاملة.. والخوف كل الخوف أن يكون هذا الغياب نهائيا!
ثم وما دمنا بصدد الحديث عن ليبيا تحديدا، فإن ما لم يعرفه البعض هو أن هذا البلد، قبل أن يُبتلى بانقلاب «الفاتح» المشبوه الذي لا بد من فتح صفحته السوداء بعد أن تستقر الأمور في هذه الدولة العربية العظيمة، كان يضع أقدامه على بداية طريق واعد بالفعل، وكان ينعم باستقرار يحسد عليه، وكانت طرابلس العاصمة بأسواقها وبشوارعها وبمطاعمها ومقاهيها وصحفها وبهيْئتها العامة، عبارة عن روما صغيرة، وكانت الشواطئ الليبية من أجمل شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وكان الطلبة الليبيون وفي كل التخصصات لهم وجود ملحوظ ومميز في أهم جامعات العالم، وكان هناك قبل ظاهرة «الكتاب الأخضر» المضحكة كتَّابٌ ورسامون وشعراء وأدباء من أفضل ما شهده العالم العربي في تلك الفترة «النهضوية» في خمسينات وستينات القرن الماضي.
كانت ليبيا في تلك الفترة المبكرة قد تأثرت، مثلها مثل أقطار المشرق العربي تحديدا، بانفجار ظاهرة الأحزاب القومية واليسارية، ولعل ما هو غير معروف أنَّ انتشار حزب البعث في هذا البلد كان بمستوى انتشاره في سوريا وفي العراق وفي الأردن وفي اليمن بجنوبه وشماله وفي لبنان، ولذلك فإنَّ قيادة هذا الحزب «القومية» كانت قد أوفدت أحد أهم رموز حزبها، أعتقد أنه سعدون حمادي، للإقامة في طرابلس «الغرب» لبعض الوقت للإشراف على فرعها هناك الذي كانت تعده واعدا، وأنه سيمسك بالحكم كما تم الإمساك به في العراق وسوريا.
لقد كانت هناك حياة سياسية ناشطة بالفعل، وكان هناك إلى جانب حزب البعث تيارٌ ناصري منافس متغلغل بين ضباط الجيش الليبي الذين من بينهم، كما يقال، عمر المحيشي الذي شارك في ثورة «الفاتح» بدوره، والذي انقلب عليه معمر القذافي كما انقلب على كل الذين شاركوا في هذه الثورة الغريبة العجيبة وحَكَمَ عليه بالإعدام بتهمة التآمر وجرى تنفيذ هذا الحكم بإلقائه من مروحية في مياه خليج سرت وهو مكتوف اليدين ومقيد الرجلين.
والمهم أنَّ القذافي خلال حكمه الأسود الذي استمر أكثر من أربعين عاما أفرغ هذا البلد من كل مقومات الدولة في القرن العشرين، وهذا بالطبع هو ما حصل أيضا، وإن بحدود أقل في العراق وفي سوريا، وأنه تعمَّد تدمير الحياة السياسية في ليبيا وتمزيق وحدتها الوطنية وإلغاء جيشها واستبدال أحزابها وتشكيلاتها التنظيمية التي كانت في بداية طريق طويل ببدائل «كاريكاتورية» مثل المؤتمر العام واللجان الثورية واستبدال كل مسيرتها الثقافية بـ«الكتاب الأخضر» سيئ الصيت والسمعة وبصحيفة «الزحف الأخضر» التي لم يكن يقرأها حتى الذين كانوا يشرفون على إصدارها.. ومن بينهم وللأسف في فترة محدودة من بدايات ثمانينات القرن الماضي الشاعر المبدع مظفر النواب، شفاه الله وعافاه!
لم يكتفِ القذافي بتحويل ليبيا، الدولة الواعدة التي كانت تتمدد على شواطئ البحر الأبيض المتوسط باسترخاء الدول المستقرة أمنيا واقتصاديا، إلى جماهيرية بائسة لم يعرف التاريخ مثلها على الإطلاق، بل حول عَلَمَها الجميل إلى «خرقة» خضراء وحَشَرَ كل تطلعاتها السياسية في كتاب مسْخٍ هو «الكتاب الأخضر» الذي وصفه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الأسبق أحمد الشقيري بأنه لا يصلح حتى لأطفال صغار في الصفوف الابتدائية.
عندما قام القذافي بثورة «الفاتح» البائسة والمشبوهة التي أوصلت ليبيا إلى هذا الذي وصلت إليه، كانت هناك حياة سياسية متصاعدة وناشطة، وكانت هناك كفاءات ليبية فعلية في كل المجالات، والدليل على هذا أنَّه تم اختيار محمود المغربي، مواليد حيفا في فلسطين في عام 1935، وأمه من مصراتة في ليبيا، ووالده من «ككلة» في الجبل الغربي الليبي، الذي يعتبر أحد مؤسسي حركة فتح الفلسطينية، رئيسا للوزراء، لكن «الأخ العقيد» الذي كان صمم على إعادة «تفصيل» هذا البلد على مقاسه هو ولا أحد غيره، قد تخلص منه مبكرا، كما تخلص من كل الذين قاوموا «جماهيريته» والذين اضطروا لمغادرة وطنهم وشكلوا معارضة الخارج التي لا شك في أنها لعبت دورا أساسيا في مقاومة النهج المدمر الذي سار عليه «ملك ملوك أفريقيا» وصاحب «الكتاب الأخضر»!
إنَّ هذا هو الواقع الذي أوصل ليبيا إلى الفراغ الذي ملأته كل هذه التنظيمات المتناحرة التي مزقت البلاد وأرعبت العباد فور انهيار الدولة الليبية، والمشكلة أن حلف الأطلسي الذي لعب دورا رئيسا في إسقاط القذافي وتدمير «جماهيريته» التي كانت بمثابة «ثُؤلول» في جبين تاريخ هذا البلد العظيم، قد فعل ما فعله الأميركيون في العراق عندما حلَّوا الدولة ودمروا كل مؤسساتها وقضوا على جيشها وفي نهاية الأمر تركوها للمخابرات الإيرانية ولنوري المالكي وللعنف والفوضى ولكل هذه المجموعات الإرهابية التي تخبط خبط عشواء.
ولهذا فإنه لا بد من التأكيد ومرة ثانية، أن مهمة الجامعة العربية، التي جاءت مبادرتها متأخرة جدا، ستكون عسيرة وصعبة فعلا، فـ«جماهيرية القذافي» أنجبت «جماهيريات» متصارعة لا حصر لها بعضها تشكيلات إرهابية من دون أي أهداف سياسية، وذلك في حين أنَّ بعضها الآخر تنظيمات مناطقية وعشائرية امتهنت السلب والنهب واستمرت في مقاومة التقاط ليبيا لأنفاسها واستئناف مسيرتها الواعدة قبل انقلاب «الفاتح» المشؤوم، وحقيقة أنه في ظل ما يعيشه هذا البلد من تمزق وأوضاع مأساوية فإنَّ هذه المبادرة بحاجة إلى ألف معجزة لتحقيق ولو خطوة واحدة على طريق النجاح!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة