المصرفي والشعر

المصرفي والشعر

الجمعة - 9 شعبان 1438 هـ - 05 مايو 2017 مـ رقم العدد [14038]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
يبحث متصارعو الانتخابات عن نقاط الضعف عند منافسيهم مثلما يفعل متصارعو الحلبات. ضبطت مارين لوبان منافسها إيمانويل ماكرون وهو يقول: «ليس هناك ثقافة فرنسية، بل هناك ثقافة في فرنسا». حقاً؟ يا للهول. في هفوة فاضحة، محا المسيو ماكرون، سمعة أثينا المعاصرة، و«مدينة الأنوار».
ربما كان ماكرون يقصد أن باريس كانت «أيضاً» عاصمة الأدباء والشعراء والمسرحيين والفنانين الذين جاءوا إليها من أنحاء العالم لكي يبدأوا منها الطريق إلى الشهرة. تفضل عدّ: إرنست همنغواي، جيمس جويس، جورج أورويل، أبولينير، الروماني أيونسكو، جبران خليل جبران، هنري ميللر، راينر ماريا ريلكه، صامويل بيكت، غابرييل غارسيا ماركيز، جيمس بالدوين، رالف إمرسون، عزرا باوند، الخ... الخ...
لكن لماذا جاء هؤلاء إلى هنا في الأساس؟ جاءوا بسبب «الثقافة الفرنسية». بسبب أجيال من الشعراء والكتاب والمسرحيين والفنانين الذين جعلوا باريس حاضرة الأدب المعاصر. وجاءوا إليها لأن «الحياة الثقافية» الفرنسية كانت يوميات المدينة، ليس فقط في جامعاتها وأنديتها، بل أيضا في مقاهيها وعلى أرصفتها ومعاهدها الصغيرة.
ومن كان مارسيل بروست، وألبير كامو، ورامبو، وبودلير وفيكتور هوغو؟ لذلك، تقول لوبان عن المنافس الذي لا يقيم وزناً لكل هذا الثقل الفرنسي، إنه «مرشح المال» باعتباره مصرفياً سابقاً. لكن جورج بومبيدو، خلف ديغول، كان مصرفياً سابقاً هو أيضا. وخلفه فاليري جيسكار ديستان، الإداري والخبير المالي.
لكن لم يعرف عن أي سياسي، وربما عن أي ناقد، قوله إنه ليست هناك «ثقافة فرنسية»؟ رفع الاستعمار الفرنسي شعار «التمدن» استناداً إلى ما كان يعتبره تراثه الثقافي. ونقل معه «أدوات» الثقافة من مناهج ومدارس ومعاهد وجامعات. وهذه كلها كانت تنشر «الثقافة الفرنسية» وليس أي «ثقافة في فرنسا».
ربما كان على ماكرون أن يكون أكثر إيضاحاً، وليس فقط أكثر تواضعاً. فهل سيكون هذا موقفه من «الفرنكوفونية» غداً إذا فاز؟ إنها الرابطة الثقافية التي لا تزال تجمع بين المستعمرات السابقة والدول المتحدثة (وليس الناطقة) بالفرنسية. وتصريح ماكرون، أو موقفه، هو نقض لها.
إن مثل ذلك كمثل القول: هناك ثقافة في لبنان، ولكن ليس هناك ثقافة لبنانية، لأن عدداً كبيراً من شعراء وأدباء العرب عاشوا، أو أنتجوا، في بيروت. هذه لا تلغي تلك، بل تزيدها غنى.

التعليقات

تراحيب عبدالله الرويس
05/05/2017 - 11:52

أسعد الله أوقاتكم بكل خير أستاذنا القدير. ما قاله إيمانويل ماكرون عن أنه ليس هناك ثقافة فرنسية، هي هفوة كبيرة، لا بد أن تثير الإستغراب. حتى لو قلنا خانه التعبير، ولم يقصد ذلك بمعناه الذي فهمنا، فإن العبارة نفسها لا تحمل تفسيرات أخرى. قد يشرح ماكرون موقفه لاحقاً ويتحدث عن قصد آخر، إلى ذلك الوقت فإن الهفوة تعتبر كبيرة جداً.

هشام مدغري علوي
البلد: 
بريطانيا
05/05/2017 - 13:41

شخصيا و نكاية في لوبين أقول بأن ماكرون على صىواب لأن هذه الأخيرة تستعمل ورقة الثقافة لتأجيج نار العنصرية و التفرقة و اٍقصاء أي مساهمة أو تحول ثقافي طرأ على المجتمع الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية و لن تكون مفاجأة اٍن هي فازت يوم الأحد.

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
05/05/2017 - 17:12

للوقوف حقيقةً على صحة ووجاهة كلام استاذنا عن باريس وريادتها الثقافية ، أدعو الى قراءة "موڤيبل فيست" وليمة متنقلة لهمنغواي. حيث يصور بكثير من الابداع الحالة الثقافية المتفردة ، خاصة فترة بداية العشرينات من القرن المنصرم، التي كانت عليها باريس. ولا اظنها تخلت كثيرا عن تلك المكانة المتميزة حتى يوم الناس هذا. لقد اتى في روايته هاته على ذكر كوكبة من الكتاب العالميين كانوا لا جئين ، لجوءا خاصا الى باريس ، عاصمة الابداع وقتها. الكثير منهم ذكره الا ستاذ في معرض مقالته الشيقة.
وليمة متنقلة، بطبعة عربية للدكتور علي القاسمي

حسن غلاب
البلد: 
المغرب
05/05/2017 - 17:44

وليمة متنقلة، بطبعة عربية للدكتور علي القاسمي ، الكاتب والمترجم العراقي المبدع الذي لنا الشرف ان يكون مقيما بين ضهرانينا ، تمتعت بقرائتها فور صدورها. حتى اني اجلت قراءة النسخة الاصلية التي اتوفر عليها ولا تزال عندي، عذراء داخل غلافها البلاستيكي.
فيما قاله، صاحب الترجمة، وهذه حرفته، انه تهيب وتردد كثيرا قبل اقدامه على هذا العمل، اكثر من عقدين من الزمن. اسوق كلامه: حتى زرت الاماكن واطلعت على الاشياء التي اثتت فضاء الرواية.
واعتقد، رغم تلكئي في قراءة كلماتها مستلقية على الورق كما قام همنغواي بجعلها كذلك، اكاد اجزم ان القاسمي لم يخُن نصَّها الا في الحد الادنى.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة