عندما قام المخرج الرصين كمال الشيخ بتحقيق فيلمه الأخير قبل وفاته سنة 2004، وعنوانه «قاهر الزمن» هاجمه النقاد يميناً ويساراً ومن كل جانب. اعتبروه أنجز فيلماً ركيكاً لا ينتمي إلى «تاريخ المخرج الرائع»، كما كتب البعض.
لكن مشاهدة الفيلم للمرّة الثانية هذا الأسبوع أكدت لي أن المخرج لم ينجز فيلماً ركيكاً على الإطلاق بل على العكس، الفيلم له أكثر من جانب جيّد شاء منتقدوه إغفالها. أداءات نور الشريف وجميل راتب و(على الأخص) حسين الشربيني متلائمة جداً - وجيداً - مع الموضوع. السيناريو المشبع بالأفكار الذي وضعه نهاد شريف والتصوير الجيد لرمسيس مرزوق (ولو أن الزمن نال من ألوان الفيلم الآن). الأهم، تلك الموسيقى النابغة التي وضعها جورج كازازيان.
ثم هناك إخراج كمال الشيخ المرتّب والدقيق الذي يعرف الجواب على كل سؤال يرتبط بالدراما والتقنية معاً.
السبب الخلفي لرفض كثير من النقاد (إن لم يكن أغلبهم) للفيلم يعود إلى أنه ليس من النوع الذي يحبّذونه، أو كما كتب أحدهم في مجلة أسبوعية آنذاك: «أين كمال الشيخ من روائعه الاجتماعية والأدبية السابقة؟»، وأضاف لاحقاً: «أين هي القضية الاجتماعية في هذا الفيلم؟».
حسناً، ليست هناك قضية اجتماعية، وفي رأيي ليس لزاماً على كل فيلم أن يحمل قضية اجتماعية أو غير اجتماعية. لكن عدم وجود «قضية» لا يعني أن الفيلم الذي يخلو منها فارغ لا يتحدث عن شيء مهم. المسألة هي أنه، وربما لكثرة القضايا في حياتنا، اعتدنا أن نفضل المضمون على الشكل وأن نغلب «ماذا يقول الفيلم» على «كيف يقول الفيلم»، وبالتالي ضاعت من أمامنا فرص كثيرة لتقديم سينما مختلفة عن السائد.
«قاهر الزمان»، الذي يتحدّث عن طبيب يكتشف الطريقة لحفظ خلايا الإنسان حية لسنوات بعد موته، لم يكن فيلماً ممتازاً بكل المقاييس. عانى من فراغ في منتصفه يجد المرء نفسه فيه يعاود استقبال ما تم تقديمه من قبل. لكنه فيلم جيد لمواصفات لا يبحث فيها النقد العربي كثيراً.
ما منع الفيلم من الوصول إلى قناعات الكثيرين هو أنه كان من نوع الخيال العلمي الذي لم يبدأ بإحداث الاهتمام بين الناس إلا عندما قَوْلَبته هوليوود في سيل من الأفلام الحديثة. حتى «ستار وورز» الذي غير مسار هذا النوع في أواخر الثمانينات، شهد أقل نسبة إقبال عليه في العالم العربي من بين الدول التي تعرض أفلاماً.
لكن لماذا نحجر على أنفسنا ضد أنواع معينة من السينما وننفتح على أنواع أخرى؟ ماهرون جداً في مسألة «القضايا» هذه. سعداء بالميلودراميات والكوميديات والاجتماعيات وحكايات الحب. بعيدون كل البعد، اليوم أكثر من أي يوم مضى، عن الأفلام المقتبسة عن الكتب الأدبية، عن السير الذاتية، عن الأفلام التاريخية، عن الخيال العلمي والبوليسي (الجاد) وعن سينما الأنيميشن. هذه الأخيرة فضيحة. فضيحة أن ندخل النصف الثاني من العشرية الثانية من القرن الحادي والعشرين وليس لدينا سوى حفنة مبعثرة من أفلام التحريك.
كل هذا ينتهي بمجرد الخروج من الصندوق. ويكفي لـ«قاهر الزمن» أنه فعل ذلك.
8:23 دقيقه
TT
قاهر الزمان
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
