لأميركا دور حاسم في المعركة الكبرى المقبلة بسوريا

لأميركا دور حاسم في المعركة الكبرى المقبلة بسوريا

الأربعاء - 15 رجب 1438 هـ - 12 أبريل 2017 مـ رقم العدد [14015]
جوش روغين
صحفي أميركي

دفع الهجوم الكيماوي الذي شنه رئيس النظام السوري بشار الأسد على بلدة خان شيخون في محافظة إدلب، الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرد بتوجيه ضربة صاروخية على سوريا، وكان هذا الهجوم الأميركي بمثابة افتتاح ما يمكن أن يكون المعركة الأخيرة التي تحدد ملامح المستقبل السوري. ومع بروز هذا الصراع على مسرح الأحداث في إدلب، فللولايات المتحدة دور حاسم تلعبه هناك.
لقد ركزت إدارة الرئيس ترمب، خلال الأشهر الأولى من توليه مهام منصبه الجديد، بالأساس على القتال ضد تنظيم داعش الإرهابي المتمركز في مدينة الرقة وضواحيها، وذلك في المناطق التي أحرز فيها مقاتلون من العرب والأكراد مدعومون من الولايات المتحدة وتركيا، تقدماً بطيئاً، لكنه أكيد، في اتجاه عاصمة الخلافة المزعومة للتنظيم الإرهابي. وفي هذه الأثناء تجاهلت واشنطن، إلى حد كبير، محافظة إدلب السورية، التي يحتشد فيها السواد الأعظم من قوات المعارضة السورية، وهم يستعدون للمعركة الوجودية الأخيرة من أجل بقاء ثورتهم.
لقد أخبرني السيد رياض حجاب، رئيس الوزراء السوري الأسبق ورئيس «اللجنة العليا للمفاوضات» في المعارضة، أن هناك عشرات الآلاف من مقاتلي المعارضة ومئات الآلاف من المدنيين النازحين المحتشدين في محافظة إدلب. ويأتي ذلك نتيجة للاستراتيجية التي اعتمدها نظام بشار الأسد خلال العام الماضي بتجميع كل أعدائه - بمن في ذلك قوات المعارضة المدعومة من الولايات المتحدة بجانب المتطرفين - في مكان واحد.
وتابع حجاب موضحاً: «كانت خطة بشار الأسد تقضي بجمع كل المقاتلين، ودفعهم بعيداً عن بلداتهم ومدنهم وحشدهم جميعاً في محافظة إدلب، وكان هذا هو الغرض. وتهدف خطة بشار الأسد إلى دفع المجتمع الدولي والولايات المتحدة إلى قتل أولئك القوم».
كانت الولايات المتحدة تشن هجمات نوعية ومحدودة ضد أنصار تنظيم القاعدة في إدلب، الذين يحملون الآن اسم «جبهة فتح الشام»، وهي منظمة لديها حضور كبير على الأرض هناك. وفي الوقت ذاته، رغم كل شيء، قطعت الإدارة الأميركية كل أشكال الدعم عن الجماعات المعتدلة التي تقاتل في إدلب - وفقاً للسيد حجاب - مما وضعهم في موقف لا يحسدون عليه، حيث يكافحون من أجل المحافظة على المصداقية بين جموع السكان المدنيين في المحافظة.
واليوم تحذر منظمات الإغاثة من أن ما يقرب من 1.5 مليون مدني قد يواجهون كارثة إنسانية مروعة في إدلب، إذا ما شرع نظام بشار الأسد في قصف المحافظة على نطاق واسع؛ الأمر الذي سوف سيطلق طوفاناً من اللاجئين نحو تركيا وأوروبا، ويؤدي إلى دمار ومعاناة على نطاق يفوق بمرات كثيرة ما قد شوهد خلال حصار العام الماضي في مدينة حلب المنكوبة.
وهنا يقول تشارلز ليستر، الزميل البارز في «معهد دراسات الشرق الأوسط»: «حملة نظام الأسد في إدلب حتمية. ولكن لا أحد يستطيع الجزم حول متى تبدأ على وجه اليقين، ولكن على الولايات المتحدة الاستعداد لهذا الأمر».
بعد الإنهاك الكبير الذي يعاني منه جيش النظام السوري في الحرب الأهلية التي استمرت قرابة ست سنوات كاملة، ما عاد بمقدور هذا الجيش الاستيلاء على محافظة إدلب بالأساليب العسكرية التقليدية. وهذا هو السبب في نزوع الأسد إلى استخدام أسلحة الرعب فوق التقليدية، مثل غاز الأعصاب، بغية كسر إرادة السكان المدنيين قبل بدء المعركة الحقيقية هناك في المستقبل.
ومع اندلاع أعمال القتال البري، فإن الوجود الكثيف للميليشيات الشيعية، ومقاتلي تنظيم «حزب الله» اللبناني الشيعي، والمرتزقة الأفغان، وجنود «الحرس الثوري الإيراني»، والمقاتلين الذين يدعمهم الغطاء الجوي الروسي، يعني أن هؤلاء سيكونون جاهزين لمهاجمة خصوم النظام للقضاء عليهم.
وعلى الرغم من المخاطر والتحديات الماثلة، فإن أفضل الخيارات المتاحة بالنسبة للولايات المتحدة هي إعادة التفاعل مع جماعات المعارضة المعتدلة على الأرض، الذين هم أوثق ما يكونون انحيازاً ناحية الأهداف الأميركية. ومن ثم ترسل إليهم الأموال والأسلحة، وتوفر التدريب اللازم للدفاع عن المدنيين السوريين من المذبحة التي تلوح في الأفق، على نحو ما قال فريدريك هوف، المسؤول الأسبق عن الملف السوري في وزارة الخارجية الأميركية والزميل الحالي في «المجلس الأطلسي».
ويضيف هوف قائلاً: «هناك وحدات على الأرض كانت لدينا معهم علاقات جيدة منذ سنوات. وتقاتل هذه الوحدات في معركة ثلاثية الأبعاد في الوقت الراهن؛ ضد النظام السوري، وضد تنظيم القاعدة، وضد تنظيم داعش كذلك».
إن اتخاذ خطوة كهذه ليس من شأنه إنقاذ أرواح المدنيين السوريين فحسب، بل سيزيد من التكاليف التي يتكبدها نظام بشار الأسد وروسيا وإيران من الهجوم على محافظة إدلب وتدميرها. وإذا ما أمدت الولايات المتحدة قوات المعارضة المعتدلة ببعض من إمكانات الدفاع الجوي، مثل نظم الصواريخ المحمولة على الكتف المضادة للطائرات، فستفكر موسكو ملياً قبل قصف المستشفيات والمدارس التي يعتمد عليها سكان إدلب ليعيشوا نوعاً من أنواع الحياة العادية. والأهم من ذلك؛ للولايات المتحدة مصالح مهمة في الحيلولة دون تحقيق نظام بشار الأسد مآربه الرئيسية هناك، ألا وهي دفع المجتمع الدولي إلى الاختيار بين أمرين: إما توفير الدعم لحكومته، أو للمتطرفين. ولقد أدركت إدارة الرئيس أوباما هذه الحتمية مبكراً، إلا أنها أساءت إدارة الأمر فيما يتعلق بدعم وإسناد قوات المعارضة المعتدلة لدرجة جعلت من برامج الدعم الأميركية تؤدي إلى نتائج عكسية. ربما تكون إدارة الرئيس دونالد ترمب قد نجحت في ردع النظام السوري عن استخدام الأسلحة الكيماوية في محافظة إدلب، إلا أن هذه الأسلحة ليست إلا أداة واحدة من بين أدوات عدة وحشية وعشوائية يمكن لبشار الأسد تطويعها في ترويع وإرهاب شعبه، مع تذكر تصميمه وعزمه الأكيد على استعادة محافظة إدلب.
وإذا كان الرئيس الأميركي يؤمن جدياً بضرورة الحيلولة دون وقوع مذبحة جديدة في سوريا، فلا بد من أن يُكلف الحكومة الأميركية بتوجيه انتباهها إلى محافظة إدلب قبل فوات الأوان.
* خدمة «واشنطن بوست»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة