قوة التوازن الثالثة

قوة التوازن الثالثة

السبت - 26 جمادى الآخرة 1438 هـ - 25 مارس 2017 مـ رقم العدد [13997]

أن تستخدم سلاح بازوكا لقتل ذبابة كان هو ما تحدث عنه جنرال أميركي الأسبوع الماضي حين قال: إن حليفاً، لم يذكر اسمه، قد استخدم صواريخ «باترويت» قيمتها 3.4 مليون دولار لإسقاط طائرة تجارية معادية من دون طيار سعرها 200 دولار. لم يكن مقصد الجنرال ديفيد بيركنز إيضاح أن هذا العمل إنجاز ملحوظ، رغم صغر الهدف، لكن كان يقصد توضيح ميزة غير متناظرة يتفوق بها الإرهابيون العالميون، وهي أنهم يكلفون الغرب قدراً هائلاً من المال حتى من أجل محاربة أقل الأخطار شأناً.
فيما يتعلق بالحرب في أفغانستان والعراق، جمع البنتاغون سيارات مقاومة للأكمنة قيمتها 500 ألف دولار، وأجهزة إنسان آلي متفجرة للحماية من المتفجرات التي توضع على جانب الطريق لا تتجاوز تكلفتها بضع مئات من الدولارات. وأثبتت الطائرات، التي تعمل من دون طيار، أنها إحدى أكثر الوسائل فاعلية في قتال المتطرفين، لكن ماذا عن تكلفة الهجوم الواحد بها. يبلغ سعر الطائرة «ريبر» من «جنرال أتوميكس» 17 مليون دولار، وتبلغ تكلفة ساعة طيرانها 2.500 دولار على الأقل، وتكلفة القذيفة «هيلفاير روميو» التي تطلقها، وهي من صنع شركة «لوكهيد مارتن كوربوريشين»، 100 ألف دولار.
ولا يقتصر الأمر فحسب على المتطرفين، الذين يستخدمون تكنولوجيا متواضعة لتحقيق ميزة مالية؛ فقد أنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها المليارات لحماية السفن في القرن الأفريقي من القراصنة الصوماليين الذين يستخدمون زوارق متواضعة. وتزرع إيران الخوف بين ناقلات الأخشاب، والسفن الحربية في الخليج العربي باستخدام بعض الزوارق السريعة الصغيرة. وحتى الصين، التي يتم تصنيفها حالياً قوة عظمى، لديها أكثر من 100 ألف لغم بحري قديم الطراز، في حين أن الجيل الثاني من مضادات الألغام في البحرية الأميركية، وهي سفن ساحلية مقاتلة سعرها 450 مليون دولار، بالكاد صالحة للاستخدام.
لا يدرك البنتاغون هذه الحسابات الاقتصادية، فقد أعلنت شركة «لوكهيد» خلال الشهر الحالي نجاحها في اختبار نظام «أسلحة طاقة موجهة»، أي شعاع ليزر، يمكن أن تحمل على شاحنة، وقد نجح النظام في تنفيذ تفجير قوته 58 كيلو واطا. إن تكلفته باهظة في البداية، لكن ستكون تكلفة استخدامه ضئيلة جداً، على عكس القذائف والصواريخ التي تبلغ تكلفة الواحد منها 100 ألف دولار.
من المقرر أن تبدأ شركة «لوكهيد» في شحن الأسلحة إلى الجيش في غضون أشهر. منذ عامين استخدمت الشركة الليزر الذي تبلغ قوته النصف لتفجير محرك شاحنة على بعد ميل، وتوضح أن السلاح الجديد سيكون فاعلاً في إسقاط الصواريخ والطائرات التي تعمل من دون طيار.
ليس الجيش هو فقط الذي بدأ يتعلم أن يحب الليزر؛ فالبحرية، التي كانت تختبر أسلحة طاقة على سفينة النقل البرمائية «بونس» في الخليج العربي، قد قررت الشهر الحالي تدشين نظام «سيسابر 60 كيلو واطا»، التي تأمل في نشره بحلول عام 2020. وتجري وكالة الدفاع الصاروخي التابعة لوزارة الدفاع تجارب على أسلحة الليزر الجوية التي تحملها طائرات تعمل من دون طيار. الجميل في كل هذه الآلات الباهظة هي أن كل تفجير تنفذه لا يكلف أكثر من دولار واحد.
شملت محاولة أخرى لخفض تكاليف الذخيرة مدمرة سرية جديدة تابعة للبحرية هي «زوموالت». مع ذلك حظي السلاح الجديد بدعاية سيئة خلال العام الماضي، حين تم الكشف عن أن تكلفة القذيفة الواحدة الـ155 مليمتراً للمدمرة قد تصل إلى مليون دولار؛ مما يحول عملياً دون استخدامها لتكلفتها المرتفعة. مع ذلك «زوموالت» هي بالأساس تجربة عائمة تكلفتها 4 ملايين دولار، وستستخدمها البحرية في تجربة سلاح إلكترومغناطيسي جديد، يطلق نظرياً قذيفة وزنها 23 رطلاً كل ست ثوانٍ على مدى يصل إلى 250 ميلاً.
لا يزال هناك طريق طويلة أمام هذه التكنولوجيا، ويعزى ذلك بالأساس إلى كمية الطاقة الهائلة التي يتعين على السفينة إنتاجها، لكن إذا تم تحسين الأمر، ستكون نظرياً قادرة على إطلاق قذائف رخيصة الثمن لا تزيد تطوراً عن السنادين الطائرة.
وتنظر البحرية حالياً في الحصول على ذخيرة تحتوي على قذائف من «التنغستن» بسعر 25 ألف دولار للواحدة.
لا مجال للتراجع عن رؤية البنتاغون المستقبلية المتمحورة حول استخدام التكنولوجيا المتقدمة. ستكون المرحلة المقبلة «قوة التوازن الثالثة» التي أطلقها بوب وورك، نائب وزير الدفاع الذي سيغادر منصبه، والتي تقوم على تصور آلات تعمل بالذكاء الاصطناعي لتكمل المهارات البشرية الخاصة بساحة المعركة. يبدو أن الطريق من تلك النقطة إلى صناعة الإنسان الآلي المقاتل، رغم كونه حقل ألغام من الناحية الأخلاقية، حتمياً. مع ذلك يبدو أن كل من الجيش، و«قاعدة صناعة الدفاع» التي تقتات عليه، يدركان أن مع ارتفاع تكلفة الأسلحة بشكل مستمر، قد حان وقت مراقبة تكلفة الذخيرة التي تطلقها تلك الأسلحة.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة