الرجل الذي فتح النافذة

الرجل الذي فتح النافذة

الاثنين - 22 جمادى الآخرة 1438 هـ - 20 مارس 2017 مـ رقم العدد [13992]
غسان شربل
رئيس تحرير «الشرق الأوسط»
تضاعف الأمكنة أحياناً فضول الصحافي. كنا في قصر الشعب في بكين. قبالة ساحة تيان آن مين الشهيرة وعلى مقربة من ضريح ماوتسي تونغ. وكانت المناسبة الغداء الذي أقامه الرئيس شي جينبينغ على شرف ضيفه الملك سلمان بن عبد العزيز.
كان يمكن أن أتحدث في مواضيع محايدة. عن انطباعات زائر العاصمة الصينية أو الفرار مثل البريطانيين إلى حديث الطقس. لكن الصحافة مهنة مزعجة بطبيعتها، ومثلها الصحافي. سألت جاري الصيني ماذا كان يمكن أن يحدث لو كانت الصين محكومة حتى الآن حرفياً بأفكار ماو؟ ابتسم وقال: ربما كانت هناك صين غير التي تراها اليوم. حاولت الذهاب أبعد. قلت أتصور أنها كانت ستنفجر تحت وطأة المشكلات الاقتصادية وقدر من العزلة عن العالم. أجاب: هذا رأيك. أنا رأيي أننا كنا سنعيش في صين أخرى. تذكرت حينها أن الرئيس، وهو الأمين العام لحزب ماو، موجود على مسافة أمتار، وأن الرسميين الصينيين يتجنبون نبش الأضرحة والتلاعب بمصادر الشرعية.
سألته عن المنعطف الذي افتتح المسار الذي أدى إلى ولادة الصين الحالية. قال إن نقطة التحول بدأت مع دينغ شياو بينغ الذي تولى القيادة بعد غياب ماو. ولفت إلى أن دينغ الذي أدرك خطورة الجمود قاد عملية الدعوة إلى الإصلاح، لكن وفقاً لمعادلة ذهبية مفادها الإصلاح التدريجي تحت سقف الاستقرار. إصلاح الاقتصاد وإصلاح علاقات الصين بالعالم والانتماء إلى العصر.
طلبت منه أن يختصر التحديات التي تواجهها الصين الحالية. قال إنها تبدأ بالاقتصاد، خصوصاً بعد تراجع معدل النمو الذي كان قياسياً. ثم مسألة العدالة الاجتماعية، ذلك أن الانفتاح أوجد تفاوتاً بين الأغنياء والفقراء، وهو ما تحاول السلطات ضبط آثاره. والملف الثالث هو البيئة ومشكلاتها. وشدد على أن كل المعالجات تتم وفقاً للمعادلة الذهبية: مواصلة التقدم مع حفظ الاستقرار، وهي مسألة لا يتهاون فيها الحزب الذي يزيد عدد أعضائه على عدد سكان ألمانيا.
من حسن حظ الصين والعالم أن تجربة دينغ لم تنتهِ إلى ما انتهت إليه تجربة ميخائيل غورباتشوف. كان يمكن للانهيار الصيني أن يكون كارثياً وأن يغرق هذا الخزان البشري الهائل في نزاع قوميات وجهات، ويغرق معه العالم في تسونامي من اللاجئين. جنّب دينغ بلاده مصيراً قاتماً آخر. كان من شأن التمسك الحرفي بعقاقير ماو و«الكتاب الأحمر» أن يدفع الصين إلى مشهد كوري شمالي، أي ترسانة نووية وصاروخية تمارس الابتزاز فوق بحر من الجائعين.
كانت لماو هالة استثنائية، وكان لبعض أخطائه الحجم نفسه. أدمت «الثورة الثقافية» البلاد والعباد والاقتصاد. وقع «الربان العظيم» رهينة انتصاره وصورته وجماهيره. جاء دينغ من المنجم نفسه. أدرك أن الأفكار تحمل بصمات الزمان والمكان اللذين ولدت فيهما ولا تصلح لكل زمان ومكان. نزع القداسة عن وصايا ماو، لكنه لم ينكل بجثته كما فعل نيكيتا خروتشوف بجثة جوزيف ستالين.
لم يخرج دينغ جثة ماو إلى الشارع بل تركها ترقد بسلام. أخذ منها شرعية الاستمرار في حكم الحزب الواحد وراح يفتح الشبابيك الصغيرة في الحزب والدولة والمجتمع. إصلاح هادئ وهادف ومبرمج وتحت الرقابة، مع ضبط صارم لشهيات المغامرة وإحراق المراحل أو محاولة النكوص إلى الماضي. التفت دينغ إلى العالم. إلى الولايات المتحدة وأوروبا واليابان. إلى البلدان التي تتكئ على الأرقام، لا على حرير الوصفات الآيديولوجية والروايات الرسمية الوافدة من مطابخ الطاعة والامتثال وتنزيه «القائد التاريخي».
سار ورثة دينغ على الطريق نفسها. حرسوا الاستقرار وزادوا جرعات التغيير في الاقتصاد. مسيرة سهّلت للأمين العام الحالي أن يقف السنةَ في دافوس بوصفه كبير المدافعين عن العولمة. وبوصفه أيضاً المؤتمن على تجربة أخرجت سبعمائة مليون صيني من سراديب الفقر وجعلت الصين الاقتصاد الثاني في العالم.
تستحق التجربة الصينية قراءة عربية متأنية، خصوصاً بعد «الربيع العربي» ودروسه الباهظة. رفض ورثة ماو تقديس علاجاته وأفكاره، لكنهم حاذروا الانهيار الكبير. كانت لديهم رؤية وبرامج وتسلحوا بتطلعات الناس وبالواقعية والصبر من دون التنازل عن الأحلام. قادوا عملية تغيير للمناهج والعقليات والأساليب انتهت بانخراطهم في العصر ومعركة التقدم. أنقذوا الصين وضريح ماو معاً.
ليس بسيطاً أن يتفق الصينيون والعالم في أن دينغ هو الذي أطلق هذه الورشة. أرفع وسام يمكن أن يمنحه التاريخ لقائد أو زعيم هو أن يصفه بأنه الرجل الذي فتح النافذة. يحتاج العرب إلى أكثر من دينغ. ورحم الأمة ليس بخيلا.

التعليقات

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
20/03/2017 - 03:05

ما أجمل ما كتب سيدي، وما أرقى ذلك الحوار ، نعم إنها معادلة ذهبية ،"الأصلاح التدريجي تحت سقف الأستقرار"، وهي وصفة ما كان اغنانا لو استلهمناها قبل ان تدمر بلداننا في فوضى ما يسمى بالربيع العربي أن زمن الثورات قد عفا عليه الزمن ان تعقد طريقة الحياة للانسان قد افشلت نجاعة التغيير عبر الثورة بالمعنى الذي عرف ولم يعد صالحا الا في حدود ضيقة ليس هنا مجال لذكرها، نعم دائما ما يكون تجديد للأفكار وتطبيقها وتغيرها بل حتى تعطيلها إن كانت لا تلائم مسار الزمن وتغييره هو علاج لأزمات مستجدة، ولذلك كان الانسان هو الغاية وعقله هو كان ما ينير طريقه لبلوغ رقيه، وسعيه في استنهاض روح الجمع هو الوسيلة لذلك الرقي. أن احترام القادة العظام هو وفاء لقييم الانسان ولا يعني ان نجعل أفكارهم ومشاريعهم التي نجحت بالماضي مقدسة وفقط لانها نجحت،
هناك تكملة

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
20/03/2017 - 03:07

أنهم لم يكونوا عظاما الا حينما اوجودا افكارا وحلولا لم تكمن متاحة قبلهم وادركوا حاجات الناس والزمن، ان نبش الأخطاء للتشفي او للتباهي خطيئة، وان خطأ اليوم قد يكون جريمة غدا، أن للزمن رافعة متغيرة بل أحيانا قالبة فما يعد جريمة في زمن قد يكون فضيلة في آخر، إن له سطوته ، ومن الظلم محاكمة الماضي بقوانين اليوم وكذلك فللمكان شروطه وقوانينه. إن حق الانسان في الحياة الكريمة هي اقدس المقدسات ويتساقط دونها كل شي أذا ما تعارض معها.

د محمد شهاب أحمد / بريطانيا
البلد: 
بريطانيا
20/03/2017 - 08:21

نعم ، ليس هناك أفضل من الإصلاح التدريجي و التطور الطبيعي .
و لكن أحب لفت نظر الأخ لطيف الى قول الشاعر " تجري الرياح بغير ما تشتهي السفن "
كنّا نريد التغيير السلمي في العراق ثم جاء الغزاة المحتلين عام ٢٠٠٣ . و قبل ذلك كانت عندنا دولة و رجال يحق لهم أن يفخروا بأعمالهم ، ثم جاء بضعة ضباط و تسببوا بمذبحة ١٤ تموز ١٩٥٨، و ها نحن في ما نحن فيه .

د.خلدون الوائل
البلد: 
سوريا
20/03/2017 - 12:13

المثل الصيني يقول : إن كنت تُخطط لسنة واحدة فما عليك إلا أن تزرع القمح ، وإن كنت تُخطط لعشر سنوات فما عليك إلا أن تزرع الأشجار ، وإن كنت تُخطط للحياة فما عليك إلا أن تُعلم وتثقف وتبني الإنسان . فمن المعروف أن زراعة القمح تحتاج إلى عام تقريبا كي تجني محصوله وكذلك الأشجار تحتاج لعشر سنوات لتجني محصولها وتُثمر هذا للتوضيح ، لذلك فكما اليابان وبعدها الصين كان إستثمارهم في العنصر البشري لأنه الأهم كذلك علينا نحن في البلدان العربية أن يكون الإنسان أولى الأولويات .

احمد ماجد
البلد: 
اليمن
20/03/2017 - 14:28

عندما سئل الزعيم الصيني دينغ شياو بيينغ كيف لدولة ان يكون لنظام السياسي فيها اشتراكي والنظام الاقتصادي راسمالي كانت اجابته في منتهى الحكمة "ليس المهم ان يكون القط احمر او ابيص المهم ان هذا القط يصطاد الفئران تلك اذاً" المعادلة الذهبية "التي اطلقت المارد الصيني ليغرق اسواق العالم بالسلع والبضائع المتعددة المواصفات والاسعار وبذلك حقق للمستهلك حاجاته على مستوى دخله ليشكل بذلك طفرة في وفرة السلع والخدمات لم تشهدها البشرية من قبل وعبر تاريخ التجارة العالمية

حسن الوصالي
البلد: 
السعوديه
20/03/2017 - 18:49

استاذ غسان القادة الحكماء السياسين على وجهة الدقة والتحديد و في كل زمان ومكان هم من يصنعون التغير دائماّ ويدفعون ييلدانهم الى مدارج الرقي والتقدم او العكس التاريخ مليء بالامثلة في الجانب الايجابي على سبيل المثال وجدنا كيف نقل القيصر بطرس الاكبر روسيا في القرن السابع عشر من وهدة التخلف التي كانت فية ليدفع بها الى مصاف الدول الاوربية المتحضرة انذاك بروسيا ، وفرنسا وبريطانيا وكيف اهتم بأ مر التعليم ونقل التكنلوجيا واصلاح الاقتصاد الروسي ، كاثرين الثانية جاءت لتكمل ايضاّ دور بطرس الاكبر وتنقل روسيا ثقافياّ بكثير من الاهتمام الى مصاف الدول الاوربية المعاصرة انذاك ، الحاصل ان القيادات السياسية الواعية هي التي تسبق شعوبها في التفكير المثمر ليدفع بتلك الشعوب لان تسهم بدورها في الحضارة الانسانية ، هنا في السعودية كمثال رأينا كيف وقف

حسن الوصالي
البلد: 
السعوديه
20/03/2017 - 18:50

وقف الملك فيصل رحمة الله وقفة القائد المسؤرل عن تنمية شعبة في وجهة من اراد تعطيل نصف المجتمع بحرمان المرأة من التعليم وقد رأينا بعض ثمارة اليانعة الان بتولي المرأة السعودية مناصب أدارية دولية ومجتمعية عالية ، في الجانب السلبي راينا كيف عمل كل من هتلر بالمانيا وموسليني بايطاليا ولاتسأل عن ما عملة القذافي بليبيا او الاسد بسوريا او صدام حسين بالعراق وغيرهم كعلي عبد اللة صالح للأسف كأمة عربية كان نصيبنا وافر من غلة النماذج السلبية الامر الذي يستدعي معة فتح شبابيك عدة لتخرج من اوطان أمتنا سخائم الفساد وغبار التخلف والجهل لتحل مكانة نسائم التقدم المستقر والتطور المدروس والمتدرج ولكن كل ذلك محتاج أولاّ للقيادة الحكيمة التي تعي مسؤوليتها أمام الله ثم أمتها والتاريخ

عبدالله
البلد: 
Ksa
20/03/2017 - 19:05

اعتقد ان تجربة تركيا أقرب وأفضل

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة