المأزق التركي ـ الأوروبي

المأزق التركي ـ الأوروبي

السبت - 20 جمادى الآخرة 1438 هـ - 18 مارس 2017 مـ رقم العدد [13990]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.
حاولت أوروبا أن تتجنب انتقال الصراعات الداخلية التركية إلى أراضيها، فمنعت المهرجانات المؤيدة للرئيس رجب طيب إردوغان. ولو سمحت بها، لكان عليها السماح بمهرجانات معارضيه. ولو سمحت بها، لاشتعلت نيران لا تطفأ. وليس هذا خوف أوروبا الأكبر، بل هو الخوف من الغلاة الأوروبيين الذين يتربّصون بجميع الأنظمة المعتدلة القائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية: من فرنسا إلى ألمانيا. ومن هولندا إلى بلجيكا، ناهيك بأوروبا الشرقية التي ينزلق معظمها نحو الديكتاتوريات بعد أزمة اللاجئين.
لم يلتقط إردوغان معنى التصرف الأوروبي، أو لم يشأ. فهو بدوره يخوض معركة دستورية وجودية، ولا بد له من الانتصار على خصومه الحقيقيين والمفترضين. وكثير من هؤلاء في أوروبا، يتأثرون بمناخاتها الليبرالية، أو بالموجات المتشددة الجديدة. فلم يعد للوسط وهجه. وكل فريق يحمل فتيلاً بدل أن يحمل مشعلاً.
صعَّد إردوغان الحملة على الأوروبيين على نحو غير مألوف. فلا شك أن هذه فرصة انتخابية لا تتكرر. ولكن النتيجة الأخرى كانت الفائدة التي جناها اليمين الأوروبي من هذه التصريحات الغاضبة. بعد موجة اللاجئين والأحداث الإرهابية في باريس وبرلين ونيس، التي تحولت أسلحة سياسية في أيدي اليمين الأوروبي، جاءت ثأريات الرئيس التركي هدية غير موعودة.
أوروبا قارة خائفة، وهي في حاجة إلى إردوغان كحليف، لا كخصم. وآخر ما تريده أن تثير غضب ملايين الأتراك الذين يحملون جنسياتها، أو يقيمون فيها. كما أنها آخر من يريد فقدان الشراكة الأطلسية مع دولة مثل تركيا.
ماذا كان على أوروبا أن تختار: منع التجمعات التركية المتعادية، ومن ثم، منع وزيرة تركية من دخول هولندا، ومنع وزير خارجيتها من الهبوط على أراضيها، أم العكس؟ لا شك أن في التصرف الهولندي خطأ سياسياً، بدليل الأزمة التي أدى إليها. والخطأ الآخر أنها لم تدرك إلى أي مدى سوف يذهب إردوغان في المواجهة السياسية، فيما هو يخوض جملة من الحروب والمعارك الوجودية والاستراتيجية حول زعامته، وحول مكانة تركيا، شرقاً وغرباً.
خرج إردوغان عن طوره لكي يتهم ألمانيا وأوروبا، بأسوأ التهم: النازية والفاشية. وربما تكون أنجيلا ميركل أبعد إنسان عن التهمتين. وهذه اللغة الغاضبة ألهبت النازية الكامنة في أوروبا، وبررت لها الظهور بهذه العلانية وهذه الطريقة. وصوَّر النازيون الأزمة على أنها حرب أخرى مع الإسلام، وليست معركة مع رئيس متعدد الجبهات والتحولات.

التعليقات

رشدي رشيد
18/03/2017 - 00:59

اردوغان لا يرى ابعاد المشاكل الذي أوجدها سواء في الداخل والخارج، وهو يحاول استعمال كل الأوراق للوصول الى هدفه وزيادة سلطاته، لقد استعمل ورقة اللاجئين ولايزال لتهديد اوروبا، كما ساعد الأحزاب اليمينية في اوروبا من خلال خلق مشكلة كبيرة بإرساله وزير خارجيته الى هولندا لكسب تأييد الاتراك المقيمين هناك متناسيا بأنه هناك في اوروبا الملايين من أكراد تركيا والذين لن يقفوا مكتوف الايدي. ثم بدأ اردوغان بنعت هولندا وألمانيا بالفاشية بينما ميركل إستقبلت ما يقارب المليون لاجئ سوري ولم تتاجر ميركل بقضية اللاجئين بل العكس واجهت جميع معارضيها من الألمان وفتحت الأبواب لهولاء المغلوبين على أمرهم. ان تركيا تتجه نحو الهاوية وتدخل النفق المظلم وستكون عواقب هذا التصرف التركي وخيما جداً جداً.

ناظر لطيف
البلد: 
عراقي
18/03/2017 - 03:17

مقال منصف شكرا لك

منصور حنا
البلد: 
مونتريال-كندا
18/03/2017 - 04:25

صحيح..هولندا لا تريد انتقال الخلافات التركية الى أراضيها. في هولندا ثلاثة ملايين هولندي من أصول تركية وكردية، وهولندا تخشى أن تنتقل الصراعات فيما بينهم الى أراضيها. وثمة خلاف عميق بين "الجاليتين" عمره من عمر الهجرة التركية إلى هذا البلد الأوروبي. ثم إن تجمعات الاتراك الهولنديين في ساحة نوتردام، وتعالي صوت "الله أكبر" قد تذكر الهولنديين بما يصدره الارهابيون في اوروبا أثناء قيامهم بعمليات القتل والتفجير. ما يقوم به اردوغان الذي مزق نسيج المجتمع السوري، لا يخدم حسن الصداقة مع المجتمع الأوروبي. انه استغلال شعبوي لخدمة مصلحة انتخابية ضيقة، وقد فتح المجال أمام اليمين الهولندي المتطرف لكي يزداد تطرفا

عبدالله
البلد: 
المملكة العربية السعودية
18/03/2017 - 17:47

أردوغان ليس سياسياً محنكاً وو قع في أخطاء عديدة على مدى رئاسته للوزراء ومن ثم بعد رئاسته للجمهورية، فهو قبل سنوات وقع في إشكالات مع إسرائيل بسبب عملية السفينة مرمرة وصراخه بمنتدى دافوس في وجه الرئيس الإسرائيلي ثم مع فرنسا ثم مع الروس الذين فضحوا شراؤه للنفط من تنظيم داعش الإرهابي ومن ثم مع الأميركان وأخيراً مع الألمان والهولنديين وهو الآن يحاول الإبتزاز في قضية عبور اللاجئين إلى أوروبا، أي أن هناك مبررات منطقية لإتخاذ مواقف مضادة منه أو عدم وقوفهم معه "كما يريد هو" بعد العملية الإنقلابية الفاشلة إلى حدٍ ذهب فيه إلى إتهامهم بالضلوع فيها، هذا النوع من التعاطي السياسي سوف يزيد عدد الأعداء والكارهين من حوله ولن يؤدي به وببلاده إلى أي مكان.

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر