تونس... أخطاء ما كانت لتحدث

تونس... أخطاء ما كانت لتحدث

الاثنين - 27 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 26 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13908]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

ككل الثورات تقريبًا فإن النخب تعرف حماسة تُطل أحيانًا على المبالغات التي تقود بدورها إلى ارتكاب أخطاء. ولا نستطيع التأكد من الأخطاء إلا ساعة الوقوع فيها ورؤية تداعياتها في أرض الواقع.
بالنسبة إلى الثورة التونسيّة، التي جاءت مفاجأة للجميع في الداخل والخارج معًا، فإنها قد عقبتها بعض قرارات مستعجلة ذات طابع انتقامي متطرف، دفع فاتورته الشعب فيما بعد. من هذه القرارات نشير إلى مسألة إلغاء جهاز المخابرات وإقالة ضباطه من ذوي الخبرة الكبيرة في المجال، وذلك تحت ضغط من بعض الحقوقيين، الذين هدفوا إلى رد فعل انتقامي سريع ومباشر وراديكالي ضد من كانوا يعتبرونهم العصا التي كان يضربهم بها النظام السابق، وساندهم وزير الداخلية السيد فرحات الراجحي آنذاك.
وللعلم، فإن هذه الخطوة وجدت انتقادات في لحظتها، ولكن صوت الثوريين العالي في الأشهر الأولى لما بعد الثورة كان أقوى من تلك الانتقادات.
المشكلة أن تونس خسرت كثيرًا بحل جهاز المخابرات، واتضح بالتجربة والأحداث كيف أنّه كان قرارًا خاطئًا وعديم الدراية بمفهوم الدولة ومستلزماتها.
ففي هذا السياق الذي يغلب عليه الشعور بالخطأ الفادح نضع قرار رئيس الحكومة التونسي السيّد يوسف الشاهد بعث المركز الوطني للاستخبارات، تكون مهمته تجميع المعلومات والتنسيق بين مختلف الأجهزة الاستخباراتية وضبط الخيارات الاستراتيجية في مجال الاستعلامات وتحليلها.
طبعًا يبدو لنا هذا القرار متأخرًا جدًا. ويمكن القول إن السبب المباشر وراء الإعلان عنه أو التفكير في اتخاذه، إنّما يتعلق بحادثة اغتيال مهندس الطيران محمد الزواري مؤخرًا بمحافظة صفاقس، التي تمثل العاصمة الاقتصاديّة للبلاد التونسيّة.
وفي الحقيقة، لقد تمّ التسويق لقرار حل جهاز المخابرات على أنّه تدعيم لمسار الحريات في تونس ما بعد الثورة، وأنها - أي تونس - لن تحتاج إلى خدمات هذا الجهاز بعد الإطاحة بالنظام السابق. أي أن المسوغات التي تم تقديمها ضعيفة جدًا، إذ تناست أن مهمة هذا الجهاز الأصلية حماية الدولة من الاختراقات.
ولا يخفى على المتابعين للشأن التونسي ما حصل من أحداث استثمر القائمون بها غياب هذا الجهاز وانشغال وزارة الداخلية بالأمن في المقام الأول. ولعل ظاهرة الاغتيالات السياسية التي لم تكن واردة في تونس ما كانت لتكون إلى حد ما على الأقل لولا حلّ جهاز الاستعلامات، ونقصد بذلك طبعًا حادثتي اغتيال شكري بلعيد والإبراهيمي، بل إن العمليات الإرهابية التي حصلت وضربت تونس بشكل عميق اقتصاديًا هي في وجه من وجوهها نتاج حل هذا الجهاز الذي جعل البلاد ضعيفة المعلومات، وتعتمد بالأساس على التعاون مع الجزائر في هذا المجال.
الخطأ الكبير الذي ارتكبه بعض الحقوقيين أنهم تعاملوا مع مسألة ذات صلة بالأمن الوطني التونسي من منطلقات شخصية محضة. لذلك فإنّهم بشكل غير مباشر وغير مقصود قد سهلوا الطريق أمام الإرهابيين لاختراق البلاد وانتداب الشباب التونسي وتهريب السلاح والتخطيط لعمليات إرهابية.
طبعًا لا يعني ما ذهبنا إليه من تحليل أنه لولا حل جهاز الاستخبارات ما كان سيحصل ما حصل، ولكن نعتقد أن الأمر كان سيكون مختلفًا جدًا.
إذن انتبهت النخبة الحاكمة في تونس إلى ضرورة إصلاح القرار الخاطئ، وبعث مركز وطني للاستخبارات، وهي خطوة مهمة ولا غنى عنها، ووردت في سياق حراك اقتصادي يرنو إلى التنمية وإلى توفير الأرضية الأمنية المشجعة للاستثمار التي تبعث في نفوس رجال الأعمال بعض مؤشرات الاستقرار.
ولعل هذه الخطوة تجعلنا نتساءل إلى أي حد يمكن اليوم في ظل تناسل الشبكات الإرهابية وتشعبها استغناء الدولة عن المعلومات. أليست المعلومات الاستخباراتية هي أساس ضمان الأمن القومي؟ كيف يمكن لدولة مثل تونس أن تستغني عن جهاز الاستخبارات والحال أن الدول القوية والموصوفة بالعظمى لا تستغني عنه؟
لقد ارتكبت الدولة التونسية في الأشهر الأولى لما بعد الثورة تحت ضغط بعض الحقوقيين وأمام هشاشتها آنذاك خطأ كبيرًا، ولا ندري كم يستلزم المركز الوطني الجديد للاستخبارات من وقت حتى يسترجع بعض الكفاءات التي تمّ التفريط فيها والاستغناء عن خدماتها؟
من جهة ثانية، يبدو لنا أن الحرب على الإرهاب اليوم تتطلب من كل دولة وأكثر من أي وقت مضى الرّهان على أجهزة الاستخبارات، خصوصا أنّها ليست حربًا بالشكل التقليدي للحروب.
كما أن شعوبنا مطلوب منها أن تغير نظرتها إلى هذا الجهاز، وتربط بين وظيفته والمسألة الأمنية، لا أن تظل تلوك مقاربة الأنظمة الشمولية للاستعلامات وتوجيهها ضد ما هو خيارات فكريّة وحريات شخصية للأفراد. بمعنى آخر، فإن عملية ترشيد وظيفي هي المطلوبة وليست إعدام الجهاز نهائيًا.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو