لغات كثيرة ومعانٍ واحدة

لغات كثيرة ومعانٍ واحدة

الأحد - 26 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 25 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13907]
سمير عطا الله
كاتب وصحافيّ لبناني، عمل في كل من صحيفة النهار ومجلتي الاسبوع العربي والصياد اللبنانية وصحيفة الأنباء الكويتية.

كلما تأمل الإنسان في اللغة، أو بالأحرى في اللغات، أدرك أن علمها أهم العلوم، وكيْنونَتها أعمق المسائل التي تبقى مطروحة للدرس والحل عبر العصور. انتبهت قبل أيام فقط، من خلال قراءة المكسيكي الرائع، أوكتافيو باز، إلى أن أهم قارتين في العالم تتحدثان ثلاث لغات آتية من الخارج. أي أميركا الشمالية، التي تنطق بالإنجليزية، وأميركا الجنوبية إسبانية اللغة، والبرازيل التي ورثت لغة البرتغال، ولم تتمسك لا هي ولا بلدان القارتين بأي لغة من لغات الموطن الأصلي.
يمكن للتبسيط المبتذل، وهو شائع عندنا على نحو مثير للشفقة، القول إن اللغات العالمية الثلاث دخيلة على نصف الكوكب الغربي. ولكن اللغة هي أهم وسيلة للحياة. ولم يكن من الممكن إطلاقًا أن تتحول لهجات الهنود الحمر في أميركا الشمالية، أو هنود بوليفيا، أو ألبيرو، إلى لغات حيّة تتداول بها الدول شؤونها مع بقية العالم. اللغة الأكثر حيوية هي - على ما يبدو من وضع اللغات في العالم - الأكثر بساطة. صحيح أن الذي جعل الإنجليزية لغة الاقتصاد والعلوم في كل مكان هو امتداد الإمبراطورية البريطانية، لكن العنصر الثاني، وربما الأهم، هو بساطة اللغة في صرفها ونحوها وتحدّثها. فقد عرف العالم إمبراطوريات كثيرة أخرى، لم تتحول لغاتها إلى وسيلة اتصال على نطاق عالمي، كالألمانية والهولندية واليابانية.
اللغة هي الأدب، والأدب هو التاريخ، والتاريخ هو سجل الإنسانيات. ونحن نقول الأشياء نفسها بأصوات مختلفة، وأحيانًا بأحرف مختلفة أيضًا. ولكن من أجل التوصل في نهاية المطاف إلى حوار مع الآخر بدل الاستمرار في عزله أو الانعزال عنه. ولسنا وحدنا الثقافة التي ترفض الآخر وترفض أي نقد للذات. الروس أيضًا هكذا. اللاتينيون كذلك. وقد رزقت أوروبا بالقرن الثامن عشر الذي منحها مفكرين يدعونها إلى تأمل الذات في أخطائها وهفواتها ونواقصها. وقد عرفنا شيئًا من هذا في المرحلة التي تعارفنا على تسميتها «عصر النهضة». وقد كان عندنا مجرد لمحات فكرية من هنا وهناك، وتطلعات معزولة نحو الحداثة والانفتاح، في حين أن ما سمي عصور النهضة عند الآخرين، شمل العلوم والفنون والاقتصاد والآداب والأفكار.
كيف لنا أن نسميه «عصر النهضة» وهو لم يستمر ولم يكتمل كما في العصور المشابهة. فقد انتهى إلى مجموعة محاولات لم تستطع التحول إلى تيار اجتماعي له مقوّمات الاستمرار. العكس حدث في نهضة فرنسا وبريطانيا وإيطاليا، التي كانت منطلقًا لإقامة المؤسسات الضامنة لحرية الفرد وتقدمه. وقد أثبتت روسيا مثلاً، أن النهضة ليست في التقدم الصناعي العظيم، وأن الإنسان الذي ذهب يغرّد في الفضاء، بقي مقيدًا على الأرض. ربما لهذا السبب نجد في روسيا شعراء وروائيين عظامًا، ولا نعثر غالبًا على مفكر إصلاحي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو