تداول السلطة على الطريقة الليبية

تداول السلطة على الطريقة الليبية

الاثنين - 20 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 19 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13901]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي

في ليبيا اليوم ثلاث حكومات متنازعة السلطة، وثلاثة كيانات هي البرلمان والمؤتمر والرئاسي، وجميعها انتهت ولايتها، ولكنها مدَّدَت لنفسها لتقول إنها باقية وتتمدد، فهل ليبيا أصبحت في حاجة إلى الليوجيركا (اجتماع قبائل موسع ووجهاء ورجال الدين وسياسة وأساتذة جامعات ومفكرين في اجتماع أشبه باجتماع مصالحة عام) بعد فشل المسار الديمقراطي، أم هي في حاجة إلى محاولات أخرى بالذهاب إلى انتخابات مبكرة للخروج من مأزق الفراغ التشريعي والدستوري، بعد أن فشل مؤتمر ريكسوس والبرلمان وكذلك «رئاسي» الصخيرات في الخروج بالبلاد من أزمة التناطح والخلافات الآيديولوجية، مبتعدًا عن هم الوطن والمواطن متخبطًا في صراعات آخر همها الوطن، ليصبح التمديد لولاية جديدة هو الشغل الشاغل لجميع الكيانات.
تمديد الولاية دون الرجوع لليبيين أصبح عادة لجميع الكيانات السياسية في ليبيا رغم أن هذا مرفوض من حيث المبدأ والمضمون، وحتى الضرورة، للمواطن العادي قبل السياسي والمحلل والمفكر والناشط بهمِّ الوطن، ولكن سكان «ريكسوس» وسكان «دار السلام» وسكان «قاعدة أبو ستة»، أيضًا، يتحججون بالفراغ السياسي، وأنهم في حاجة للوقت لإنهاء الدستور وفي هذه الحالة لا يحق لهم التمديد لأنفسهم من دون استفتاء الشعب، وإلا يعتبر إهانة للشعب.
المجلس الرئاسي انتهت فترته قبل يومين، أي في 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وفق ما نص عليه اتفاق الصخيرات، وليس كما صرح به المبعوث الدولي مارتن كوبلر بأن المجلس الرئاسي لم يبدأ بعد، وإلا فكيف استجابت الولايات المتحدة الأميركية لطلب فايز السراج (رئيس ما يُسمى المجلس الرئاسي) التدخل العسكري في سرت؟ وكيف اعتمد حضور السراج لمؤتمرات واتفاقيات دولية رعتها الأمم المتحدة، ولقمم مثل قمة المناخ، فمن كان يمثل السراج إذن إذا كانت فترته الرئاسية لم تبدأ بعد؟ وماذا عن السفراء الذين تم اعتمادهم من قبل السراج؟
أعتقد أن تصريح المبعوث كوبلر بهذا الشأن استخفاف بالليبيين وقفز على الحقائق وخلط للأوراق وعبث بالمشهد والأزمة الليبية، ودفعها نحو اتجاهات وطرق مظلمة جديدة تخدم استمرار الفوضى والاضطراب في ليبيا لزعزعة استقرار المنطقة بأكمله.
التداول السلمي للسلطة مفقود في ليبيا، ويجب أن يسعى الليبيون لتأسيس ثقافته على أنه مبدأ ديمقراطي، بل يجب أن يكون ضمن أبجديات التحول الديمقراطي، وسنّة تُتبع في ليبيا الجديدة، يكون الإنسان فيها تارة حاكمًا وتارة محكومًا، من خلال صندوق الانتخاب، ووفق عقد اجتماعي مكتوب في دستور يحتكم إليه.. «وَتِلْكَ الأيام نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس»، ليطوي صفحات من الظلم والاستبداد، ودولة الفرد والزعيم الملهَم، الذي صنعته جوقة من الغوغاء، فحكمهم بهوسه وجنونه، واحتكر السلطة له وحده، رافضًا أي نوع من التداول، فابتدع لهم مؤتمرات شعبية، هي أشبه بجوقة الدعاء بروح الزعيم، دون أن يكون لها أي دور في المشهد السياسي، أو السلطة وتداولها، طيلة عقود مضت، فتلك أيام ستكون ضمن تاريخ البشرية كصفحة للتاريخ الاستبدادي واحتكار السلطة.
الديمقراطية في الأصل هي حكم الشعب، وهي شكل من أشكال الحكم السياسي، قائمٌ على التداول السلمي للسلطة. وفي التعريف السياسي للتداول على السلطة، يرى جان لوي كرمون، أن التداول على السلطة ضمن احترام النظام السياسي القائم، بحيث يدخل تغييرًا في الأدوار بين القوى السياسية في المعارضة التي أدخلها الاقتراع العام إلى السلطة، وقوى سياسية أخرى تخلت بشكل ظرفي عن السلطة لكي تصبح المعارضة.
التداول على السلطة أنوع كثيرة وأشكال مختلفة، منها المطلق، وفيه تتحول السلطة إلى المعارضة بالكامل، ولا تكون ضمن السلطة الجديدة. والنسبي، وفيه جزء من السلطة فقط يدخل ضمن المعارضة وآخر عبر وسيط ولكن هذه الأشكال جميعها مفقودة في النسخة الليبية من ديمقراطية «الربيع العربي».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة