تأثير استفتاء إيطاليا على سياسة أوروبا المالية

تأثير استفتاء إيطاليا على سياسة أوروبا المالية

الأربعاء - 15 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 14 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13896]
محمد العريان
أقتصادي مصري- أمريكي

أضافت نتائج الاستفتاء الذي أجرته إيطاليا، الأسبوع الماضي، مزيدًا من الشكوك السياسية والمالية والاقتصادية أمام أوروبا، التي تشكل المنطقة الاقتصادية الأكبر على مستوى العالم. ومع ذلك، نجحت أسواق الأسهم في التغلب على حالة الاضطراب التي أصابتها جراء الاستفتاء بسرعة أكبر عما حدث في أعقاب صدمة استفتاء «بريكست» في يونيو (حزيران).
وعليه، حققت المؤشرات الأميركية ارتفاعات جديدة، مضيفة إلى سجل مبهر خلال الفترة الماضية. ومن شأن تفهم حقيقة ما يدور هنا تسليط الضوء على ما ينتظرنا الفترة المقبلة، بما في ذلك سبل تعزيز ما بدا حتى الآن أنه «أسواق محصنة».
في الواقع، جاء أداء الأسهم الأميركية ملهمًا؛ فعلى سبيل المثال، في نوفمبر (تشرين الثاني) فقط، سجل مؤشر «داو جونز» الصناعي ارتفاعًا بنسبة 6.4 في المائة، ليصل إلى ارتفاع قياسي يبلغ 19.192 نقطة. واستمر التحرك نحو الصعود خلال ديسمبر (كانون الأول)، مع إغلاق مؤشر «داو» الأسبوع الماضي عند مستوى قياسي جديد يبلغ قرابة 20.000، بعدما كسب 8 في المائة منذ انتخابات 8 نوفمبر. وخلال ذلك، ارتفع المؤشر الآن في غضون 20 جلسة من إجمالي جلسات التداول الـ24 الأخيرة، ليسجل 13 ارتفاعًا قياسيًا خلال الفترة ذاتها.
اللافت أن هذه المسيرة المبهرة لا تعود إلى مسألة أن العام بدأ بتداول الأسهم عند مستويات زهيدة للغاية. في الواقع، بعد ثمانية أعوام في هذه الموجة من الارتفاعات، تحولت غالبية مقاييس التقديرات إلى اللون الأصفر، إن لم يكن الأحمر. وحتى رغم الدعم الكبير الذي حظيت به الأسهم من العوائد بالغة الضآلة، فإن ذلك بدأ في التلاشي الآن مع ارتفاع معدلات الفائدة بمختلف أرجاء العالم.
ومن العسير كذلك إرجاع الأمر إلى حدوث تحسن سريع في العوامل الجوهرية؛ ذلك أن النمو على صعيد الاقتصاد العالمي محصور داخل عجلة بطيئة الحركة، رغم ما طرأ من تفاؤل بعض الشيء على التوقعات المتعلقة بإجمالي الناتج الداخلي الأميركي الاسمي، وذلك نظرًا للعوامل المتعلقة بالنمو والتضخم. ويأتي ذلك في أعقاب تأكيد الرئيس المنتخب دونالد ترامب على البنية التحتية وإصلاح سياسات ضرائب الشركات وتخفيف الرقابة، إضافة إلى تخفيف نسبي من حدة خطابه المناهض للتجارة الذي أطلقه أثناء الحملة الانتخابية.
وأخيرًا، فإن ما يحدث بالسوق الآن لا يرتبط بزيادة وشيكة في دعم السيولة من البنوك المركزية الموجهة إلى الأسواق. بدلاً من ذلك، فإن الاحتمال الأكبر يشير باتجاه أن بنك الاحتياطي الفيدرالي سيرفع معدلات الفائدة بمقدار 25 نقطة أساسية هذا الأسبوع، ليصبح ذلك ثاني ارتفاع فقط على مدار 10 سنوات.
في الواقع، إن القوة الرئيسية المحركة وراء الأسهم تكمن في مشاعر أمل تتعلق بالسيولة والنمو والتضخم.
ومع حدوث تحسن كبير في إمكانات استعادة الأموال النقدية للشركات الموجودة بالخارج، تتوقع الأسواق زيادة في الدعم الذي تتلقاه من وراء مشتريات الأسهم والأرباح وعمليات الاندماج والاستحواذ، والتي من شأنها جميعًا تمديد وتعزيز عمليات ضخ سيولة غير مسبوقة من جانب كلا القطاعين العام والخاص. ويعمل هذا بدوره على تعزيز تأثير التوقعات الأكثر إيجابية المرتبطة بالنمو وعائدات الشركات التي أثارتها تصريحات الرئيس المنتخب حول السياسات التي ينوي اتباعها.
ومع ذلك، ورغم كونه مبهرًا حقًا، فإن التأثير الإيجابي لجهود دعم السيولة والتوقعات المتعلقة بالسياسات التي سيجري اتباعها على مدار الفترة المقبلة، ينبغي دعمه من خلال إدراك تحسن العوامل الجوهرية التي تعزز فكرة «الأسواق المحصنة»، خاصة في ظل الشكوك التي تواجه أوروبا. وكي يحدث ذلك، فإن الإعلانات الصادرة مؤخرًا بشأن النمو من الضروري ترجمتها إلى تصميم مفصل وإجراءات سياسية مستدامة، الأمر الذي تعذر تحقيقه من خلال الكونغرس خلال السنوات الأخيرة بسبب حالة الاستقطاب الشديدة داخله.
وتعكس التحركات الأخيرة بالسوق وجهة النظر القائلة بأن فوز ترامب المفاجئ أحدث صدمة إيجابية في طبقة النخبة السياسية - بمعنى أن هذه الصدمة من شأنها تقليص مستوى الشلل والاختلال الوظيفي واستعادة مستوى إدارة أفضل للشؤون الاقتصادية. كما أن تمتع الجمهوريين بأغلبية داخل كلا مجلسي الكونغرس يشكل سببًا آخر يدعو للتفاؤل. إن التنفيذ الناجح، مع بذل مجهود أخرى إضافية لاتخاذ مزيد من الإجراءات الصعبة على صعيد السياسات المتبعة، يشكل العنصر المحوري لتحويل هذا التفاؤل إلى واقع.
بيد أنه إذا ما أخفقت السياسات الأفضل في تعزيز تأثير عمليات الضخ الإيجابية، فإن الأسواق ربما تعاني من مصير مشؤوم. موجز القول أنه بدعم من عوامل جوهرية اقتصادية ومالية أفضل، يمكن للأسواق تحويل القوة التي اكتسبتها بفضل عمليات ضخ السيولة إلى أمر إيجابي أكثر استمرارية. وكي يحدث ذلك، فإن الصدمة السياسية الراهنة ينبغي أن تتحول إلى نمط الحكم الاقتصادي الذي باستطاعة الكونغرس تقديمه، لكنه لم يمارسه على امتداد الكثير من السنوات حتى الآن.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة