الكاريكاتير الروائي

الكاريكاتير الروائي

الثلاثاء - 14 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 13 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13895]
خالد القشطيني
صحافي وكاتب ومؤلّف عراقيّ

تظهر براعة الروائي الإنجليزي تشارلز ديكنز في تصويره للشخصيات الشريرة. نجد مثالاً لذلك في وصفه للآنسة مردستون. الاسم بحد ذاته يوحي بالشر ويعني بالإنجليزية «الحجر القتال». وهو أسلوب طالما لجأ إليه الروائيون في اختيار الأسماء الدالة على كنه الشخصية المعنية.
نلتقي بها في رواية «ديفيد كوبرفيلد» الشهيرة. تبدأ حياة هذا الصبي، ديفيد، بالتدهور والشقاء حالما تتزوج أمه الأرملة بالمستر مردستون، الغليظ القلب. بعد أيام قليلة من الزواج يبادر الزوج للمجيء بأخته التي تفوقه في الغلظة والقسوة، لتعيش معهم. فينطلق ديكنز ليرسم هذه الصورة لها: «كانت سيدة سوداوية المظهر، داكنة البشرة كأخيها الذي كانت تشبهه تمامًا في وجهه وصوته. لها حاجبان كثيفان جدًا ويكادان يلتقيان ويمتزجان فوق أنفها الضخم، كما لو أنهما عانيا من رزايا الجنس لصاحبتهما كأنثى حرمت من الشاربين فعمد الحاجبان إلى تمثيل الشاربين بهذا الشكل. جاءت تحمل معها صندوقين أسودين صلبين بشكل لا يسمح بأي ليونة. كتبت اسمها على الغطاء بحروف من المسامير النحاسية. وعندما دفعت أجرة الحوذي، أخرجت نقودها من كيس معدني صلب. وضعت الكيس في حقيبة كالسجن تدلت من كتفها بسلسلة ثقيلة وأغلقتها بشكل عضة بفكين قويين. لم أرَ حتى ذلك الحين امرأة معدنية بهذه القوة كما كانت الآنسة مردستون».
لم يحب تشارلز ديكنز طبقة التجار ورجال الأعمال في عصره. ولم يدع فرصة تمر دون أن ينال منهم. نلتقي بمثال منها في رواية «أيام صعبة» في شخصية السيد باوندرباي (الاسم يوحي بالنط والوثوب): «كان باوندرباي رجلاً غنياً، تاجراً، صاحب معامل، وكل شيء، رجلاً ضخم الجسم، ضخم الصوت، له نظرات محدقة وضحكات معدنية، رجلاً صنع من قماش خشن جرى سحبه وتمطيته إلى أقصى حد ليمكن صنع هذا الجسم الكبير منه، رجلاً ذا رأس كبير منتفخ وجبهة عريضة وشرايين بارزة على صدغيه وبشرة ممطاة على وجهه، بحيث تبقى عيناه مفتوحتين في مكانهما وترفع حاجبيه إلى الأعلى. كان رجلاً ذا مظهر منتشر حوله حتى ليبدو وكأنه نفاخة منفوخة وجاهزة للانطلاق، رجلاً لا يعجز عن التطبيل لنفسه بكونه شخصاً عصامياً بنى نفسه بنفسه، رجلاً لا ينفك من الإشادة والدعوة لشخصيته بذلك الصوت الذي يحاكي زعيق الأبواق النحاسية ليعلن للجميع عن وضاعة أصله وفقره القديم. كان بلطجي الجنس البشري».
كان للسيد باوندرباي خادمة جلست تقص بمقصها ثقوباً زخرفية في قطعة قماش: «كانت عملية عندما تقرن بحاجبيها الكثيفين وأنفها الروماني الطويل بحيث توحي بشيء من الظرف بصورة صقر منشغل بنقر عيني طير صغير صلب البشرة».
وهكذا تتوالى الصور الكاريكاتيرية في أدب تشارلز ديكنز لتنقل للقارئ سخريته من هذه الشخصيات الفيكتورية التي كره وجودها في المجتمع الإنجليزي بعد الثورة الصناعية التي عاشها في القرن التاسع عشر. وكلها تعطينا نماذج متقنة من الكاريكاتير الروائي. بالحروف والكلمات لا بالخطوط والألوان.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو