اختلال الميزان

اختلال الميزان

الأحد - 5 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 04 ديسمبر 2016 مـ رقم العدد [13886]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

قضية تاريخية سيكون لها آثار تصل إلى شواطئ البلدان التي تسعى للديمقراطيات، تنظر يوم الأثنين في المحكمة العليا. وكانت حتى 2009 «هيئة لوردات العدالة law - lords»، أعلى سلطة قضائية منذ سبعينات القرن التاسع عشر، مكونة من 12 من شيوخ القانون ضمن مجلس اللوردات في بريطانيا، قبل ما فعله رئيس الوزراء الأسبق توني بلير.

تخريبات رئيس الوزراء الأسبق توني بلير، هكذا كان وصفي لتعديلات حكومة بلير الدستورية بتقليد المحكمة العليا الأميركية التي تصدر تشريعات في النظام الجمهوري، أما البريطانية فمهمتها، كقضاة اللوردات، تفسير الغامض من التشريعات فقط، فإصدار القوانين من اختصاص البرلمان وحده في النظام الديمقراطي التمثيلي.

رأى المعلقون البرلمانيون أن نقل أعلى هيئة قضائية من مؤسسة البرلمان، الجهة التي تصدر التشريعات وتتعامل مع القوانين بتفويض من الأمة (لوردات القضاء الاثني عشر ضمن مجلس الشيوخ، وهو الرابط بين الدولة ممثلة في التاج وممثلي الشعب في مجلس العموم)، سيؤدي حتمًا إلى أزمة دستورية غير مسبوقة، فليس لدى بريطانيا دستور مكتوب، بل مجموعة تقاليد وممارسات وتوازن بين السلطات. المستر بلير نقل محور الرافعة، فخرب توازنًا عمره 1400 عام.

ألغي بلير منصب Lord Chancellor الذي كان أول من شغله في 606 ميلادية القاضي انغامندس، بتكليف الملك الأنغلوساكسوني اثيلبيرت (560 - 616م).

بلير ألغى منصبًا أقدم من منصبه بقرون (تأسس منصب رئيس الوزراء منذ 300 عامًا فقط)، وأسس وزارة جديدة اسمها العدل. واضطرت حكومة ديفيد كاميرون إلى إعادة المنصب ازدواجًا بوزير العدل عام 2010، فقد تسبب بلير في فراغ دستوري، فاللورد تشانصللر وحده يشرف على إعداد خطبة العرش التي تحدد الملكة فيها في بداية الدورة البرلمانية سياسة حكومتها الجديدة.

وقد يثير اهتمام قراء «الشرق الأوسط» اسم السير توماس مور (1478 - 1535) صاحب «يوتوبيا»، فقد كان شيخ العدالة في عهد الملك هنري الثامن (1491 - 1547)، واختلف معه عندما رأى أن رغبة هنري الثامن في التحول من الكاثوليكية إلى البروتستانتية (لأنه أراد الفكاك من قيود الكاثوليكية لتطليق زوجته والزواج بأخرى) فيها انتهاك للدستور.. حيث جمعت فتواه القانونية سيادة الدستور والقضاء والبرلمان لموازنة السلطات، والحاجة للتشريع قبل التغيير.

ما تنظره المحكمة السامية، الأثنين، وخصصت له أربعة أيام، قد يؤدي لأزمة دستورية لأنها تنظر قضية استأنفتها الحكومة ضد حكم المحكمة العليا (مقالتنا في «الشرق الأوسط»، في 6 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعنوان: العدالة العمياء عن معنى عبارة «القانون حمار») الذي أرادت به مجموعة منتفعين من الاستثمارات مع أوروبا تعطيل تصويت الأمة بأغلبية 17.4 مليون صوت، ضد 16 مليون صوت، بالخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو الغرض الحقيقي رغم تستر المنتفعين وراء الادعاء «بضرورة موافقة البرلمان قبل تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة».

والمحكمة العليا حكمت لصالح المنتفعين (غير المنتخبين)، مجموعة بالغة الثراء من مضاربي المال، ضد الحكومة المنتخبة من الشعب.

حيثيات الحكم أن «قانون المجتمعات الأوروبية لعام 1972» الذي أصدره البرلمان، أدخل المملكة دستوريًا في الاتحاد الأوروبي، وبالتالي لا بد أن يصدر البرلمان تشريعًا يلغي قانون 1972. لكن الاتحاد الأوروبي لم يكن موجودًا، بل السوق المشتركة، فظهرت الحاجة لقضاء، ليفصل في معنى التفسير القانوني.

الأزمة الدستورية أن الشعب والمصوتين بالخروج وصفوا القضاة بأنهم «أعداء الشعب».

بطل تصويت الخروج زعيم حزب الاستقلال نايجل فاراج (ونعتذر عن الخطأ المطبعي الأسبوع الماضي «نايغل»)، حذر بأن الشعب البريطاني الذي لا يثور أو يغضب ويغير الحكومة بالانتخاب، قد يفقد احترامه لاستقلالية القضاء، إذا وجد أنها مؤسسة تتعمد أن تعكس الإرادة الشعبية. وكان فاراج قد دعا إلى «مظاهرة احتجاج» أمام مبنى المحكمة، ثم عاد مناشدًا إلغاء مظاهرة «لا تتفق والثقافة البريطانية».

القضية ينظرها 11 لوردًا وبارونة من كبار القضاة الذين لا يمكن اتهامهم بالتحيز، لكن المكون الفكري الثقافي لتسعة منهم ليبرالي يكاد يطابق الثقافة السياسة للاتحاد الأوروبي (ثلاثة منهم يرون سيادة المحكمة الأوروبية على القضاء البريطاني، واثنان يريدان تشريع السماح للأطباء بمساعدة المرضى المزمنين على الانتحار، وثلاثة ألقوا محاضرات داعمة للقانون الأوروبي).

المحكمة أدرجت الاستماع لعريضتين من اتحاد العمال، وآخر من حكومة اسكوتلندا (كلاهما يريد البقاء في الاتحاد الأوروبي)، كإضافة لحيثيات الحكم الأصلي.

فإذا كانت الأمة مصدر السلطات، والبرلمان صوت بالعودة إلى الأمة بقرار إجراء الاستفتاء، وهي المصدر الأول لشرعية البرلمان دستوريًا، فمن البديهي أن تتفوق نتيجة الاستفتاء دستوريًا على أي قرار آخر.

إذا صدر الحكم لصالح المنتفعين ضد الحكومة، فبقدرة البرلمان إصدار تشريع يصبح قانونًا لا يملك القضاء إلا الالتزام به (أي عدم تطبيق قرار المحكمة). ويقول البروفسور فيرنون بوغدانوف، أستاذ القانون السياسي: «إن ما يتضمنه خطاب الملكة في البرلمان هو القانون دستوريًا».

وحتى لا يترك البرلمان ثغرة ينفذ منها القانونيون، باللجوء للقضاء لتفسير مضمون القانون الجديد (كما فعلوا في قضية الشهر الماضي مع قانون 1972، مما يدر عليهم رسومًا مرتفعة)، سيستغرق البرلمان قرابة عامين لصياغة قانون محكم، وهو ما يريده الرافضون لقرار الشعب الديمقراطي، أي التسويف والتعطيل وإيجاد مبرر لاستفتاء آخر.

الأزمة سببها تخريب توني بلير للأعراف الدستورية، بنقله أكبر هيئة عدالة في المملكة قصر وستمنستر (البرلمان) من مؤسسة التشريع وممثلي التاج والشعب معًا، إلى سلطة أخرى مستقلة كجزء من القضاء. فأي سلطة ستتجه بالغريزة إلى وضع نفوذها محل التطبيق، بعزلة عن الآخرين، أو في صراع مع السلطات الأخرى.

نزاهة القضاء البريطاني محل حسد أفضل ديمقراطيات العالم، لكنه إذا خلق الانطباع لدى الشعب (الذي يري اليوم في الديمقراطيات الغربية كلها فساد المؤسسة السياسة) بأنه يناقض إرادته، فإن هذه القضاء سيفقد ثقة مصدر سلطته، وهي الأمة.

في عصور ما قبل الديمقراطية، احتدم الصراع بين ثلاث سلطات: التاج، والكنيسة، والنبلاء.. بينما الشعب مغيب. الدائرة تكتمل بعد ثمانية قرون من الماغنا كارتا، ويعود الصراع الثلاثي بين: البرلمان (وهو الحكومة في بريطانيا) والمؤسسة القانونية (بشقيها المحامين والقضاة) والسلطة الرابعة (الصحافة بشتى أنواعها).. الفارق أن الشعب غير مغيب اليوم.. لكنه يصعب التكهن بتحركاته في صندوق الاقتراع، أو في الشارع.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة