في الطريق إلى المسرح البلدي في مدينة تولوز الفرنسية، كان هناك مجموعة من الرجال يسيرون في مظاهرة ويرفعون لافتات ورقية مكتوبة على عجل. وقد تتصورهم، للوهلة الأولى، من الأتراك أو العرب، لأنهم يختلفون في الأعمار والثياب والأوزان لكنهم جميعًا بشوارب. ومن يقيم في هذه البلاد يعرف أن شبانها يميلون إلى إطلاق لحاهم، بهذا القدر أو ذاك، وفق موضة باتت عالمية. أما حلق اللحية والاحتفاظ بالشارب فليس مما هو شائع هنا. والغريب أن بين المتظاهرين نساء بشوارب، أيضًا، مرسومة بقلم الكحل.
تتطلع إلى صور السياسيين المتصارعين في قنوات التلفزيون، استعدادًا للانتخابات القريبة، ولا تجد بينهم مشوربًا. تتفرج على الممثلين والمذيعين ومقدمي البرامج والمغنين وتتأكد من المسألة. وحتى الشاب خالد ضاق بشاربه الذي تسلل إليه البياض فحلقه ليبدو أصغر. ويبدو أنه لا يُصدّق أغنية ناظم الغزالي: «عيّرتني بالشيب وهو وقار». ولا نعرف متى اختفى من السينما الفرنسية آخر شارب وقور. ولعل الأخير كان باتريك ديفير، النجم الراحل مبكرًا. كما ذهب مع الريح زمن كلارك غيبل، بعد أن كان محطم قلوب العذارى وصاحب أشهر شارب على الشاشة العالمية.
ما الحكاية؟ يقولون لك إنه شهر نوفمبر، وهو الموعد السنوي الذي يطيل فيه الرجال شواربهم للتوعية بمخاطر سرطان البروستاتا وضرورة الفحص المبكر. لماذا الشوارب دون اللحى؟ لأنها غير شائعة وتلفت النظر. ولأنها ثانيًا من علامات الرجولة، وثالثًا لأن هذا النوع من المرض الخبيث يصيب الرجال فقط ويودي بحياة 9 آلاف مريض في فرنسا كل عام. حسنًا، لا بد من سبيل لحث النساء على الفحص الوقائي المبكر لسرطان الثدي. إن ضحاياه أكثر من ضحايا سرطان البروستاتا. هل ينظمون حملات من نوع «تنورة يناير» أو «صدرية أبريل» وكم رجلاً سيشارك في الحملة؟
وعمومًا فإن الفكرة لم تنبع هنا. لقد استوردها الفرنسيون من أستراليا. وكانت حملة «شوارب نوفمبر» قد بدأت هناك قبل أكثر من عشر سنوات. وتقضي بالتوقف عن حلاقة الشارب مع أول أيام الشهر، مع ضرورة التخلي عن اللحى. ومن تلك القارة البعيدة انتشرت في أكثر من دولة. وفي المرض يتساوى البعيد والقريب. وهي ليست حملة كاريكاتيرية بل لها هدف صحي ووقائي نبيل. لكن من الصعب أن تنجح في بلادنا. ففي العراق، مثلاً، للرجال شوارب طيلة أشهر السنة. في قيظ الصيف وقرّ الشتاء. كما تنبت لهم ميول ثورية في شهر بالأخص، أي يوليو (تموز). ولعل تطبيق الفكرة بالمقلوب هو الأنسب للعرب. أي أن يكون نوفمبر (تشرين الثاني) من دون شوارب لكي ينتبه الرجال إلى تغيّر السحنات ويسرعوا إلى الأطباء للاطمئنان على صحتهم.
في زمن من الأزمان كان شارب ستالين هو الشائع. موضة عقائدية بامتياز. وفي مقابل تلك الفرشاة العريضة فوق الشفتين رأينا شارب هتلر الذي قلّده تشارلي تشابلن، أو بالعكس. ثم جاء غوار الطوشة وقلّد تشابلن. وكان أظرفهم جميعًا أبو السبع القبضاي، رفيق غوار. لقد رأى حبيبته تفزع من شاربيه اللذين يقف عليهما الصقر، فطمأنها: «ما تخافي من شواربي.. هذول وحمة».
8:50 دقيقه
TT
شوارب نوفمبر
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
