على هامش وضْع اقتصادي صعب تعيشه مصر، يحاول الرئيس عبد الفتاح السيسي معالجته بما يتيسر من المعالجة وخلال زمن قصير نسبيًا، تنشط الدبلوماسية المصرية كما لم تنشط من قبل بهذه الحيوية، وفي اعتقادها أن الإنجاز دبلوماسيًا من شأنه رفْد السعي لعلاج الوضع الاقتصادي الصعب، بخطوات من شأنها تحقيق المبتغى، أو على الأقل بعض الخطوات على الطريق.
بداية وفي الموضوع الاقتصادي نشير إلى أن الحكومة المصرية، تتجه إلى الحصول على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 12 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات. وتستند الحكومة في سعيها للحصول على هذا القرض الملياري، من أجل دعْم برنامج الإصلاح الاقتصادي، إلى أنها عضو مساهم في الصندوق، وبالتالي فإن من مكاسب العضوية هي أن الدول المشاركة تطلب إقراضها، لكن التلبية لا تتم إلاَّ بعد أن يطمئن الصندوق إلى سلامة الهيكل الاقتصادي وقدرة الدولة (وهي هنا مصر) على توظيف القرض ضمن برنامج علمي بما يشجع المستثمرين على ضخ أموال في مصر، وبالتالي لا تعود هنالك عقبات أمام تسديد القرض وفوائده ضمن برنامج التسديد. ولكن المشكلة التي تواجه التطلع إلى الاستثمار كعنصر فاعل في الحصول على القرض الملياري ثم على الالتزام بتسديد أقساطه وفوائده، هي أن العوائد المأمولة من قناة السويس الجديدة ليست وفق التقديرات. كما أن اهتزازات في أحوال الدولار وبعض العملات الصعبة انعكست بعد الانخفاض في دخْل مصر من قناة السويس الأولى رمز التأميم الوطني في زمن عبد الناصر.
وإلى هذا العنصر الذي كان مأمولاً، هنالك أيضًا الارتباك المتواصل في المشهد الاستثماري من السياحة الذي سجَّل انخفاضًا بعد حادثة الطائرة الروسية المفتعَلة، من أجل حرمان مصر من المورد السياحي الذي يعزز القطاعيْن العام والخاص، فضلاً عن إقفال نسبي أمام بضعة ملايين من المصريين كانوا يجدون فرص عمل في ليبيا والعراق، وباتوا إزاء هذا الإقفال عبئًا على الوضع الاقتصادي. ثم هناك العمليات الإرهابية التي يبدو أنها ستبقى تنخر في سعي مصر لتحقيق الاستقرار الذي يُصلح الحال، ما دامت البوابة الليبية تشكِّل مدخلاً للسلاح والعناصر الإرهابية، تقابلها البوابة الغزَّاوية التي تستهدف رموز الأمن المصري من أفراد في الجيش والشرطة.
قد يبدو القرض الملياري من صندوق النقد الدولي، في حال الحصول عليه بعدما اجتاز الموافقة من حيث المبدأ، أنه حل، لكن محاذيره بالنسبة إلى مصر التي تقترب بعد سنتيْن من رقم المائة مليون نسمة على درجة من الخطورة.
وحتى فكرة بيْع الجنسية المصرية المتزَايد الحديث حولها، أي بما معناه ينال الجنسية مَن يستثمر في مصر بمبلغ بالعملات الصعبة متعدد الأصفار، تبدو غير مناسبة لمكانة مصر ومهابتها، بل إن ذلك سيكون في حال الأخذ به على حساب مكانتها وستتحول إلى مجمَّع لأصحاب ثروات ملتبسة يهربون إليها من ملاحقات في حقهم، فضلاً عن أن فكرة كهذه تُضعف من ثقة المصري بانتمائه، وسيجد مع الوقت أن اقتصاد بلاده أسير مجتمع من أصحاب الثروات الطارئة أتوا إلى مصر، ليس من أجل دعْم اقتصادها، وإنما من أجل جنسية تُحقق لهم الاستقرار والعمل.
قبل أيام لمسْنا في كلام قاله الرئيس السيسي مدى عمق المشكلة التي يعيشها الوضع الاقتصادي في مصر. فهو بعدما وضع الوزراء المختصون والمستشارون أمامه وبالأرقام حالة العملة الوطنية، حيث بات الدولار يساوي ثلاثة عشر جنيهًا والعجز في الميزانية نحو ستة وثلاثين مليار دولار، والاحتياط في النقد الأجنبي يواصل التراجع، وحجم الديْن الأجنبي وصل حتى نهاية شهر مارس 2016 إلى ثلاثة وخمسين مليار دولار، دعا الثمانين مليون مصري إلى تحمُّل إجراءات مؤلمة، لا بد من اتخاذها من أجل تخفيف ضغوط ثقيلة على الميزانية العامة للدولة. ما هذه الإجراءات التي لا حول ولا قوة إلاَّ بالله لا بد من اتخاذها؟ وما حجم الألم فيها وكذلك حجم الأمل في أن تعْقب الألم حتى إذا كانت جراحة على نحو ما يوحي كلام الرئيس السيسي حالة شفاء تام في الحد الأقصى أو إبلال من التوعك الموسمي الذي سيحصل في مصر عند كل تحضير ميزانية؟
من السهل الافتراض لا أكثر أن يمضي النظام قُدمًا في استرداد أموال قيل إنها نُهبت ومعظمها خارج البلاد، لكن أمام مثل هذا الاسترداد عقبات وإجراءات قد تحتاج إلى سنوات، فيما الحالة أشبه بمريض يحتاج إلى جراحة عاجلة.
وقد يقال إن مصر السيسي التي اعتادت على النجدة المليارية الأولى من المملكة العربية السعودية في زمن الملك عبد الله بن عبد العزيز، تلتها نجدة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى جانب نجدات إماراتية، تعوِّل على نجدة جديدة، ومن السعودية التي ملكها أدرى بأحوال مصر.
ولكن السعودية التي نجدت مصر ملياريًا تبدو الآن على موعد مع حالات استجدت في الأمة، ستضاف إلى بند العمل الإنساني من واجباتها، وبحيث إن ما ستتطلبه الحالة اليمنية بعد أن ينشر الأمل ربوعه وتُطوى مرحلة عاصفة الحزْم، وما ستتطلبه كذلك الحالة السورية بعد أن يحل نظام جديد بعد انصراف النظام البشَّاري، تحتاج كل منهما وغيرهما من حالات أقل كارثية إلى ما يتجاوز المائة والعشرين مليار دولار التي أنفقتها المملكة خلال ثلاثة عقود على العمل الإنساني في النطاقيْن؛ العربي - الإقليمي والدولي.
لقد أضأتُ في حدود المتيسر على التحول الذي هو عليه الجسم الاقتصادي للمحروسة، وكيف أن الحيرة مستَحكمة في أوساط أهل القرار في شأن ضخ بعض الحيوية في الجسم الناحل.
وعندما يحرك الرئيس السيسي الدبلوماسية المستكينة أصلاً، ويسجل وزير الخارجية سامح شكري بزيارة مباغتة للبنان المسربل نفسه بقيود تتصل بالعجز عن ملء الفراغ الرئاسي، حضورًا لافتًا في المشهد الإقليمي الحافل بالمفاجآت، فلأنه يريد الإيحاء للمجتمع الدولي بأن مصر يمكن أن تكون حاضرة في إحدى الحلقات الأكثر تعقيدًا في الحالة العربية - الإقليمية الراهنة، وبالتالي فإن حضورها ييسر لها اهتمام المجتمع الدولي ومؤسساته، التي أبرزها صندوق النقد، بوضعها الاقتصادي الذي بات على مشارف «الإجراءات المؤلمة». وقد يأخذ هذا المجتمع الأمر في الاعتبار، خصوصًا بعد الحراك الإردوغاني المثير للاستغراب داخليًا وإسرائيليًا وروسيًا، وإلى درجة البدء بتقطيع كتاب التصلب على مدى أربع سنوات وبضعة أشهر إزاء النظام البشَّاري، والاستعداد للبدء بكتابة صفحة جديدة تتصل دواعيها باتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الذي صادق عليه البرلمان التركي يوم السبت 20 أغسطس (آب) 2016 بعد مفاوضات استغرقت عاميْن، ثم رأى الرئيس إردوغان أنه هو الآخر يحتاج في ضوء ما أصابه إلى اتخاذ خطوات مؤلمة تجاه إسرائيل نتنياهو وروسيا بوتين. هذا فضلاً عن التناغم الأكثر استغرابًا بين رمز الدبلوماسية التركية ورمز الدبلوماسية الإيرانية. وبين الاتفاق التطبيعي والتناغم المستغرَب، كانت زيارة إردوغان إلى بوتين زيارة المكتوي مما أصابه ونجا منه، قبل أن ترسل إدارة أوباما الداعية غولن المستضَاف في أميركا إلى إسطنبول، على نحو إيفادها بالتفاهم ضمنًا مع فرنسا وألمانيا الإمام الخميني إلى طهران، وترْك الشاه محمد رضا بهلوي يهيم على وجهه. وهذا ما كان يراد لإردوغان الذي أنجى نظامه بحُسْن الفِطَن على أمل أن يصونه من الكيد الأوبامي.
8:50 دقيقه
TT
إجراءات وخطوات مؤلمة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
