انتفخت أوداجه، تحت قبّة البرلمان، وصاح: «لسنا مهرجين في سيرك. نحن ممثلو الشعب». ونقلت المشهد كاميرا صغيرة إلى عفريت «اليوتيوب». وكان هناك من تفرج على غضبة النائب الذي يستنكر أن يكون مهرجًا، و«ضحك عليه حتى استلقى على قفاه». أين العيب، يا سيدي، في المهرج؟ إنها مهنة لطيفة للترويح عن الناس. وهو ما يعجز عنه كثير من النواب والنوائب. وهي تحتاج موهبة وتدريبًا شاقًا. وليست ساحة كل من هبّ ودبّ وتسلق حزبًا واشترى أصواتًا بأكياس دقيق وعبوات زيت.
في البلاد السعيدة، يدخل الراغب معهدًا عاليًا ليدرس عدة سنوات بعد الثانوية ويتخرج فنانًا في ألعاب السيرك، مروض فيلة أو راقصًا على الحبال أو بهلوانًا أو مهرجًا بشهادة جامعية. لا تهترئ مؤخرته على كرسي في مقهى، في انتظار فرصة عمل. إنه يعاشر الخيول والأسود ويرقص معها مثلما رقص كيفن كوسنر مع الذئاب ونال سبعة أوسكارات. ولعل من يتفرج على السياسيين والنواب وهم يتكلمون صراخًا ويخطبون تلويحًا بالأيدي وتهديدًا بالسبابات يخطر بباله أنهم قد يحتاجون إلى ترويض. وللأشقاء التوانسة تعبير جميل حين يحاولون تهدئة شخص أخرجه الغضب عن طوره. يقولون له: «ريض». وهو شيء يشبه ما كان يقوم به محمد الحلو، صاحب السيرك الذي يحمل اسمه في مصر، حين يروّض الأسود ويحيلها قططًا لطيفة.
ولو تفرج النائب الغاضب على مهرج سيرك موسكو لربما غيّر رأيه. فالمهرج يقتله العطش ويدور باحثًا عن شربة ماء. وحين يعثر عليها يتنازل عنها لطفلة تسقي زهرة. لكن لممثلينا في البرلمان من المهمات الجليلة ما يحرمهم من ارتياد السيرك والتخفيف من انتفاخ الأوداج. ليْتهم شاهدوا ذلك اللاعب في سيرك فينيكس وهو يستل وترًا من زميلته عازفة القيثارة ويصنع منه حبلاً يرتفع عن الأرض عدة أمتار. يقفز ويسير عليه متمايلاً مع أنغامها، وهي تواصل العزف بأنامل أبهى من أصابع العروس، وبوتر ناقص يذكرك بأن «الحلو ما يكملش». هل المقصود محمد الحلو الوارد ذكره في الفقرة السابقة أم أن الحلوين كثر؟
في سيرك «الشمس» بمونتريال، لا يتدحرج المهرجون على الأرض لكي ينتزعوا ضحكات الأطفال. إنهم يرفرفون فوق الرؤوس ليرسموا بأجسادهم لوحات بهيجة وليكتبوا قصائد بلغة الأرواح الشفافة. والدول التي تقدّر الفن تفتح لهؤلاء صالات الشرف في مطاراتها، وتعلّق على صدورهم أرفع الأنواط. وقد منحت الدولة السوفياتية المهرج كارانداش وسام لينين، ولقب فنان الشعب، قبل أكثر من نصف قرن. وعلى يدي كارانداش، الذي يعني اسمه بالروسية «قلم الرصاص»، تخرج جيل من المهرجين، أشهرهم تلميذه بوبوف الذي أطلقوا اسمه على المعهد العالي لفنون السيرك في موسكو.
وبلغ من شهرة المهرج السويسري غروك أن هتلر ذهب ليتفرج عليه 14 مرّة في «دوتشه ثياتر». وفي إيطاليا، قام أنتوني كوين، بطل «الرسالة» و«عمر المختار»، بدور مهرج في فيلم «لاسترادا» مع مهرجة ظريفة تدعى جيلييتا ماسينا، هي زوجة مخرج الفيلم فيليني. ولما مات المهرج آشيل زافاتا في فرنسا، نعاه الرئيس ميتران بنفسه. وعندنا ما زلنا نسمّي المهرج «قشمر».
مشكلة بعض النواب والسياسيين أنهم ينسجمون كثيرًا في أداء أدوارهم، ويبالغون بحيث يتحولون إلى قشامر ومساخر. يتشاتمون ويتضاربون بالنعال ومنافض السجائر حتى نخالهم مهرجين. لكن هيهات. المهرج مهنة تبعث السرور. وهم يبعثون على الغمّ.
11:53 دقيقه
TT
المعهد العالي للمُهرّجين
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
