التكلفة الفادحة للسياسات الحمائية الأميركية

التكلفة الفادحة للسياسات الحمائية الأميركية

الثلاثاء - 30 شهر رمضان 1437 هـ - 05 يوليو 2016 مـ رقم العدد [13734]

يقول دونالد ترامب إنه على الصعيد التجاري، بدا أنه من السهل التأثير على أميركا على مدار فترة طويلة للغاية.
وفي إطار خطاب ألقاه في بنسلفانيا هذا الأسبوع، قال: «يجري إغراق أسواقنا بالصلب الأجنبي المدعوم، مما يهدد مصانعنا، في الوقت الذي لا يحرك فيه السياسيون لدينا ساكنًا. على مدار سنوات، اتخذ هؤلاء السياسيون موقف المتفرج على الهامش، بينما تلاشت الوظائف لدينا وغرقت مجتمعاتنا في حالة من البطالة والركود».
إلا أنه حرص على توجيه كلمة طيبة بخصوص التعريفات التي فرضتها إدارة الرئيس الراحل روناد ريغان في ثمانينات القرن الماضي لحماية صناعتي: أشباه الموصلات والدراجات البخارية الأميركيتين.
بيد أن نسخة التاريخ التي يتحدث عنها ترامب خاطئة، ذلك أن السياسيين الأميركيين في حقيقة الأمر لم يقفوا ساكنين، وإنما اتخذوا إجراءات لحماية مصنعي الصلب الأميركيين في مواجهة المنافسة الأجنبية على امتداد إدارات جونسون ونيكسون وكارتر وريغان وجورج دبليو. بوش. وتمثلت السياسة الأميركية في هذا الصدد في التعاون مع العالم لإقرار قدر أقل من الحواجز التجارية، مع الحرص في الوقت ذاته على توفير الحماية لعدد من الصناعات بعينها، استجابة لارتفاع شديد في الاستيراد وتصاعد صيحات استنكار سياسية. والآن، يأتي دونالد ترامب ليقترح مسارًا مغايرًا لهذا التاريخ، مع تجاهله في الوقت ذاته أحد أهم دروسه: أن الحماية التي وفرناها كانت فادحة التكلفة ولم تحقق شيئًا يذكر.
من جانبه، يسعى ترامب لتغيير سياسات الولايات المتحدة الأميركية التقليدية من 4 جوانب، حيث وعد باستخدام أكثر قوة للقوانين التجارية القائمة التي تخول سلطة الحماية من الواردات. وقال إنه سيعاود النظر في الاتفاقات التجارية التي أقررناها بالفعل. كما تعهد بأنه لن يقر سوى اتفاقات ثنائية فحسب، وليست متعددة الأطراف، وأوضح أنه لا ينظر إلى تحرير التجارة بوجه عام كهدف في حد ذاته.
والواضح أن هذا التوجه يختلف عن ذلك الذي اتبعه الرؤساء الأميركيون خلال العقود الأخيرة من رونالد ريغان، وصولاً إلى الرئيس الحالي باراك أوباما. من جانبه، كان ريغان يلجأ لفرض قيود تجارية في مواقف بعينها - لكنه في الوقت ذاته استخدم حق الفيتو ضد تشريعات حمائية، وأشرف على المفاوضات الرامية لتقليص الحواجز التجارية بمختلف أرجاء العالم، وأطلق عملية التفاوض بشأن إقرار اتفاق التجارة الحرة بأميركا الشمالية، التي ينتقدها ترامب بشدة. أما أوباما، فقد فرض تعريفات لمعاونة صناعة الإطارات، لكنه في الوقت ذاته أقر عددًا من اتفاقات التجارة الحرة الثنائية المهمة - التي يعتقد ترامب بأنها رديئة - ودفع من أجل إقرار عدد من الاتفاقات متعددة الأطراف، مثل الشراكة الاقتصادية الاستراتيجية عبر المحيط الهادي.
أما أكثر السياسات الحمائية نجاحًا خلال العقود الأخيرة فهي إنقاذ تعريفات هارلي - ديفيدسون في ثمانينات القرن الماضي، الأمر الذي على ما يبدو وفر للشركة وقتًا كي تحدث تحولاً بداخلها (رغم أن مدى أهمية التعريفات لا يزال محل جدال). في ذلك الوقت، استفادت الشركات المصنعة للسيارات من الإجراءات الحمائية آنذاك، ورفعت أسعار منتجاتها وزادت أرباحها. إلا أنها لم تستغل الفرصة في إصلاح نفسها. وكانت السياسات الحمائية تجاه أشباه الموصلات في ذلك الوقت مثيرة للجدل، بسبب تأثيراتها على الصناعات المعتمدة على أشباه الموصلات، حيث اشتكت من أن الإجراءات الحمائية أدت لحدوث نقص في العرض وارتفاع في التكاليف وفقدان صفقات بيع ووظائف.
والملاحظ أن الأضرار غير المقصودة للشركات الأميركية من المشكلات المتكررة مع التعريفات، حتى تلك الرامية لحماية الوظائف الأميركية من المنافسة، التي تعتبرها الحكومة الأميركية غير عادلة. في أعقاب إقرار إدارة بوش تعريفات الصلب، أوضحت الصناعات المعتمدة على الصلب، أنها توظف أعدادًا أكبر بكثير من الأميركيين عن صناعة الصلب ذاتها، وأن مجمل تأثير السياسة الحمائية على الوظائف جاء سلبيًا.
الملاحظ أن قوانين مكافحة الإغراق، التي تفرض تعريفات على السلع الأجنبية التي من المفترض أنها تباع بأسعار زهيدة على نحو مفرط، عادة ما تستهدف المنتجات الوسيطة، وبالتالي تجعل المنتجين الأميركيين المعتمدين عليها أقل قدرة على المنافسة.
من ناحيته، أوضح دانييل أيكنسون، محلل السياسات التجارية من «معهد كاتو»، أن القانون يحظر على الحكومة دراسة تأثير التعريفات على هؤلاء المنتجين قبل جبايتها.
بعد ذلك، تأتي مسألة التكلفة. من جانبهما، قدر غاري هوفباور وسيان لوري، من «معهد بيترسون للاقتصادات الدولية»، أن التعريفات التي فرضتها إدارة أوباما على الإطارات الصينية كبدت المستهلكين الأميركيين 900 ألف دولار على الأقل مقابل كل وظيفة أنقذوها لمدة عام واحد. ويأتي هذا التقدير قبل الأخذ في الاعتبار بخسائر الوظائف الناجمة عن تراجع الإنفاق من قبل المستهلكين على منتجات أخرى والتعريفات الانتقامية الصينية. وأوضح الباحثان أن هذه التكلفة الفادحة مقابل الوظيفة الواحدة، تتوافق مع أبحاث جرت حول حالات أخرى للسياسات الحمائية التجارية.
وخلال مقابلة أجريت معه، أوضح هوفباور أن جهود حماية الصناعات من المنافسة لم تفلح في العادة في إنقاذ تلك الصناعات وفرضت تكلفة باهظة للغاية مقابل أي وظائف أنقذتها. وأشار إلى صناعة المنسوجات والصناعة البحرية كمثالين على النتائج المخيبة للآمال.
وبذلك يتضح أن «اتخاذ موقف المتفرج من على الهامش» - حسب وصف ترامب - بينما تتلاشى الوظائف لا يبدو سياسة مقبولة، لكنه قد يكون أفضل مما فعلته الحكومة الأميركية على أرض الواقع، والذي يرغب ترامب في فعل مزيد منه.
* بالاتفاق مع «بلومبيرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة