د. عبد الخالق عبد الله
أستاذ العلوم السياسية - الإمارات العربية المتحدة
TT

الانسحاب البريطاني من «الأوروبي».. دروس مستفادة

من الصعب تصور أن يحدث لمجلس التعاون ما حدث للاتحاد الأوروبي، ومن الصعب ثانيا تصور أن يجري استفتاء شعبي في دولة خليجية لطرح موضوع انسحابها أو بقائها كما حدث في بريطانيا في 23 يونيو (حزيران) الماضي، ومن الصعب ثالثًا أنه في حالة طرح مثل هذا الاستفتاء في أي دولة خليجية، أن تكون النتيجة لصالح الانسحاب، بل أكثر من ذلك كله من الصعب أن تقدم حكومة خليجية على اتخاذ قرار الانسحاب من منظومة مجلس التعاون الخليجي. لا يمكن تخيل أي من هذه السيناريوهات التفكيكية والانسحابية في المستقبل القريب في مسيرة التعاون الخليجي الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود.
فرغم بطء عمله، وبروز اختلافات بين دوله أحيانًا، بل إنه رغم كل التحفظات المشروعة على مساراته الاقتصادية والعسكرية والسياسية وحتى الأمنية والسلبيات الكثيرة، التي شابت ولادته وتطوره خلال الـ34 سنة الماضية، فإن مجلس التعاون جاء ليبقى ويستمر وينتقل من طور التعاون الخليجي إلى طور الاتحاد الخليجي، وربما في المستقبل البعيد إلى طور الوحدة السياسية الاندماجية.
لذلك ليس من الوارد إطلاقًا وفي ظل أكثر السيناريوهات تشاؤمًا أن تكرر أي دولة خليجية بما فيها أقلها حماسًا تجربة انسحاب بريطانيا المفاجئ والمدهش الذي زلزل كيان الاتحاد الأوروبي، وبعثر حلم أوروبا في التحول من الاتحاد الأوروبي إلى الولايات المتحدة الأوروبية. الحلم الأوروبي في تأسيس الولايات المتحدة الأوروبية القادرة على منافسة الولايات المتحدة الأميركية أصبح اليوم وبعد بعيدَ المنال أكثر من أي وقت.
الانسحاب البريطاني لم يكن مفاجئًا فحسب، بل جاء مزلزلاً ومدمرًا لـ70 سنة من الاندماج الأوروبي المتأني والقائم على دراسات جدوى ورؤى عقلانية ومؤسسات شامخة وراسخة كشموخ جبال الألب، وصلبة كصلابة اتحاد الفحم والصلب الذي وضع أسس الاتحاد الأوروبي سنة 1951.
لقد كان الاتحاد الأوروبي يتباهى دائمًا ويقدم نفسه بفخر واعتزاز، أنه مشروع الاندماج الإقليمي الأقدم والأقوى والأغنى والأكثر نضوجًا في العالم. لكن فجأة تبعثر النموذج الاندماجي الأوروبي الذي كان قدوة لبقية المناطق في العالم بما في ذلك التعاون الخليجي. كان الاتحاد الأوروبي يتجه من حسن إلى أحسن خلال الـ70 سنة الماضية وإجمالي ناتج قومي بلغ 20 تريلون دولار عام 2016، وكان ينتقل بشكل تدريجي وعقلاني ومؤسسي من اندماج بسيط إلى سوق مشتركة ثم عملة مشتركة وتاليًا اتحاد أوروبي مسنود بعمل بمؤسسات وإرادة شعبية، لتحقيق حلم كان يراود أوروبا منذ القدم في تكوين أوروبا الواحدة والموحدة.
كل ذلك تعطل مؤقتًا بسبب تصويت بريطاني، ثاني أكبر اقتصاد أوروبي، لصالح الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. كان هذا التصويت مزلزلاً وجاء على عكس كل توقعات نظريات الاندماج الإقليمي التي برزت بعد الحرب العالمية الثانية والمعرفة باسم نظرية «الاندماج التراكمي». لم تتوقع هذه النظرية أن الشعوب الأوروبية قد تصوت بقلبها وليس بعقلها، ودون اكتراث لمصالحها المادية والمعنوية الملموسة.
التصويت البريطاني العاطفي جاء خارج سياق فرضيات وتوقعات هذه النظريات. 52 في المائة من الشعب البريطاني رفض بشكل عاطفي الاتحاد الأوروبي بقضه وقضيضه. فلم يكن مقتنعًا بفوائده وفضل الاستقلال والانسحاب والانغلاق على بريطانيته مهما كان الثمن مكلفًا. الزلزال البريطاني زلزل أسس وأركان البيت الأوروبي وأفقده بريقه وتوازنه وكبرياءه حتى إشعار آخر.
من الآن وصاعدًا، سيكون جل اهتمام جهابذة الاتحاد الأوروبي في العاصمة الأوروبية بروكسل، هو الإبقاء على الحد الأدنى من المسيرة الاندماجية الأوروبية التي فقدت أكثر من 20 في المائة من وزنها الاقتصادي والتجاري والسياسي والاستراتيجي. ولسنوات طويلة قادمة سيكون جل تركيز العواصم الأوروبية على كيفية فك ارتباط دولة محورية من دولها بعد أن كان جل اهتماماتها كيفية استيعاب ودمج المزيد من الدول تحت مظلتها.
سيكون الاتحاد الأوروبي منشغلاً خلال 2016 و2017 وخلال النصف الأول من القرن العشرين بأولية التفكيك، بدلاً من أولوية الاندماج الذي كان شغله الشاغل خلال النصف الثاني من القرن العشرين. أما زعماء وحكماء أوروبا فسيكون همهم إصلاح ما يمكن إصلاحه من إرث الزلزال البريطاني. لقد كان الاتحاد الأوروبي الممتد لـ70 سنة مصدر إلهام للتجارب الاندماجية في العالم، لكن هذا الاتحاد الملهم لم يعد ملهمًا. كما أن الاتحاد الأوروبي الذي وضع نظريات الاندماج الإقليمي تبحث اليوم دون جدوى عن نظرية واحدة تضيء لها الطريق للتعامل مع فعل التفكيك بدلا من فعل الاندماج.. فالتفكيك وليس الاندماج هو عنوان المرحلة أوروبيًا، وانعكاسات وتداعيات انسحاب دولة بحجم ووزن بريطانيا هي المهمة العويصة المطروحة أمام زعماء وحكماء أوروبا. لا توجد خبرة سابقة، ولا نظرية واحدة تتعامل مع الانسحاب الطوعي والديمقراطي الذي سنته بريطانيا وقد تتبعها دول أوروبية أخرى. المؤكد الوحيد أن الانسحاب من أي مشروع اندماجي سيكون عسيرًا وعصيًا ومؤلمًا وممتدًا، ودون معرفة مسبقة بتداعياته للطرف البريطاني الذي يعيش فوضى سياسية ويخبط في حيص بيص بعد التصويت المدوي، وللطرف الأوروبي الذي يعيش في ورطة غير متوقعة ويبدو ضائعًا وبائسًا أكثر من أي وقت آخر خلال الـ70 سنة الماضية.
لكن إلى أن يعيد الاتحاد الأوروبي حساباته، ويصلح ما دمره الزلزال البريطاني، وإلى أن تتمكن بريطانيا أيضًا من تجاوز الانقسام السياسي الحاد في عقر داره، هناك عدة دروس مستفادة لدول مجلس التعاون الخليجي.
الدرس الأول هو أن قرار الدخول إلى مجلس التعاون، وفي أي تجمع إقليمي والبقاء فيه أسهل بكثير من قرار الخروج والانسحاب منه. الخروج من التعاون الخليجي سيكون مكلفًا ومؤلمًا وصعبًا للطرفين، خاصة الطرف المنسحب. لذلك لا يجب فتح هذا الباب إطلاقًا حتى لأكثر الدول تحفظًا على مسيرة التعاون الخليجي.
ثانيًا التعاون والتنسيق والاندماج الإقليمي حتى في حده الأدنى مفيد، لكن إن زاد عن حده ربما انقلب ضده. لذلك يجب التمهل والتدرج في الاندماج. لا ينبغي القفز فوق المراحل، والهرولة نحو الحد الأقصى من التنسيق والتعاون والاندماج والاتحاد الذي سيأتي كتحصيل حاصل، لكن بتأنٍ وبطء وبشكل تدريجي حتى لو استمر الأمر عقودًا. عواقب الهرولة نحو المزيد من الاندماج بكل أشكاله قد تعني التفكك وضياع كل ما أنجز على تواضعه.
ثالثًا انسحاب دولة من المسيرة التعاونية الخليجية مهما كان حجمها وشأنها، لا يعني نهاية المسيرة التعاونية والاندماجية. بريطانيا ستنسحب لكن الاتحاد الأوروبي سيظل مستمرًا، وإن كان فاقدًا توازنه لبعض الوقت. كذلك هو مجلس التعاون الخليجي، إذا قررت دولة من دوله الانسحاب، فإن ذلك لا يعني نهاية مسيرة تعاونية استمرت لثلاثة عقود وانتقلت من دائرة الشك في بقائها واستمرارها إلى دائرة اليقين، بل إن الخروج الطوعي لدولة ما، على ما يسببه من آلام ومخاض، هو خير ورحمة وبركة للتعاون عمومًا.
إن المسيرة الاندماجية الخليجية جاءت لتبقى وتستمر، بل هي اليوم أقوى مما كانت عليه قبل سنة. كان مجلس التعاون منذ تأسيسه عام 1981 بأيدٍ أمينة وحكيمة، هكذا كان وهكذا سيبقى إلى أن يحقق هدف الاتحاد الخليجي.

* أستاذ العلوم السياسية ورئيس المجلس العربي للعلوم الاجتماعية وأستاذ زائر بجامعة لندن LSE