هل شعر أحدنا بمأساة مريم؟

هل شعر أحدنا بمأساة مريم؟

الاثنين - 30 جمادى الأولى 1435 هـ - 31 مارس 2014 مـ رقم العدد [12907]
عطاء الله مهاجراني
صحافي ايراني

عندما يغادر الناس منازلهم، عادة ما يعتقدون ويشعرون بأنهم سيعودون إليها مرة أخرى بعد عناء يوم طويل، ربما في منتصف الليل، نعود إليها ونحن على يقين من أننا نملك الملاذ الملائم للسكن والراحة والنوم في مكان نتقاسم فيه الراحة والمتعة مع عائلاتنا، ونتحدث فيه مع أطفالنا، نقبل وجناتهم، ونستمتع فيه بقدح الشاي بالنعناع الذي تعده زوجاتنا. هذه هي الحياة التي يفترض أن نحظى بها جميعا.
بيد أن هناك استثناء فريدا ورائعا لهذه الحقيقة في تاريخ البشرية، ألا وهو عيسى المسيح، الذي لم يملك بيتا ليرتاح فيه، ويقول: «للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار وأما ابن الإنسان فليس له أين يسند رأسه» (متى 8: 20 ـ 21).
ومما لا شك فيه أن هناك ما يقرب من تسعة ملايين سوري تركوا منازلهم، ويفكرون في العودة إليها. هذه الأعداد الكبيرة من المهاجرين داخل أو خارج سوريا، أجبرت على ترك منازلها بسبب الوضع المخيف في بلادها، وهذه المجموعة التي تمثل هذا العدد الكبير من المهاجرين، هي مجموعة فريدة من نوعها سواء في تاريخ سوريا أو في منطقتنا بشكل عام.
وقد رأينا الكثير من الصور ومقاطع الفيديو التي تبين مدى الدمار الذي حل بالمدن، ومقتل المواطنين السوريين.. وهلم جرا. هذا هو الوجه الواضح لهذه النوعية من الحروب القذرة، كتلك التي تجري في سوريا. بيد أنه في بعض الأحيان نرى وجها آخر، أقل وضوحا، لهذه الحروب. ولعل أبرز الأمثلة على هذا الوجه الخفي للحرب قضية مريم خلوجة، تلك السيدة السورية البالغة من العمر ثلاثة وأربعين عاما والتي تعيل أربعة أطفال وزوجا مريضا. سكبت مريم في يوم الخامس والعشرين من مارس (آذار)، البنزين على جسدها، وأشعلت في نفسها النار أمام مكتب الأمم المتحدة في مدينة طرابلس شمال لبنان. كان الحادث المؤلم تعبيرا واضحا عن الوجه الخفي للحرب في سوريا. وقالت: إنها بإشعال النار في نفسها، تضحي بجسدها وروحها لخلق مرآة تظهر مدى عمق الكارثة.
فهل نحن مستعدون للنظر في هذه المرآة لنرى وجهنا الحقيقي؟ ينبغي النظر بعناية إلى الجوانب المختلفة في هذه المرآة، بما في ذلك النظام السوري وروسيا وإيران وأميركا، لكن الحقيقة أن هذه مرآة مكسورة وضعت أمام التاريخ والإنسانية.
هناك أيضا مرآة أخرى في براغ، أمام المتحف الوطني، هي النصب التذكاري ليان بالاتش، الذي كان في الحادية والعشرين إبان غزو براغ، والذي أشعل النار في نفسه في 19 يناير (كانون الثاني) عام 1969، وخلال الثورة المخملية في براغ، كان يان بالاتش رمزا للحرية. وعندما انتخب فاسلاف هافل، رئيسا لتشيكوسلوفاكيا، قال ذات مرة إن يان هو قائدنا، فقد ضحى بحياته ليعلمنا ألا ننسى الحرية.
المؤكد أن الحرب هي مثل النار، تحرق كل شيء وكل شخص. إنها أشبه بجهنم، تتحول فيها النار إلى رمز وبطاقة هوية! لكن مريم خلوجة عندما أشعلت النار في نفسها، كان هذا الأمر قصة مختلفة تماما. فقد ألفت أغنية خاصة ليان بالاتش تقول: عندما لا يبقى شيء سوى الحرق، عليك أن تشعل النار في نفسك. وقد أرسلت مريم خلوجة رسالة واضحة إلى كل واحد منا.
فكروا في مريم واسمها المقدس، وفكروا في زوجها الذي يرقد على سرير المرض، وفكروا في أطفالهما الأربعة، وفكروا في الناس الذين رأوا سيدة تشعل النار في نفسها، وفي سيدة قالت: إنها لم تطهُ في بيتها طعاما لثلاثة أيام، وفكروا في أن أسرة مريم طُردت من المنزل لأنها لم تتمكن من دفع الإيجار.
كيف يمكن لسيدة أن تتمكن من التغلب على كل هذه المشكلات؟ إنها امرأة وليست صخرة. هي تحب أطفالها ككل الأمهات في العالم.
وفي هذا المقال يخاطرني قول الشاعر اللبناني أنسي الحاج الذي توفي الشهر الماضي:
رفعتُ قبضتي في وجه السماء
لعنتُ وجدّفت
ولكنْ قلْ لي كيف أنتهي
من جحيم السماء بين ضلوعي؟!
الأطراف الضالعة في الكارثة السورية متشابهة في أنها تدرب أفرادها على قتل الطرف الآخر، فمن يدعمون نظام بشار، أو الجيش الحر، وجبهة النصرة وداعش.. وهلم جرا، لا يزالون يصارعون بعضهم البعض سعيا وراء الحصول على السلطة. ولكن هل يكترث أي منهم للشعب السوري؟ من منهم سيعيل أسرة مريم وآلاف العائلات مثلها؟ هل فكر أي منهم في أن تسعة ملايين سوري سيعودون إلى منازلهم ليجدوا أن منازلهم قد دمرت؟ وهل فكر أي من الجانبين في هذه الأنفس، وقيمتها، وإنسانيتها؟
عندما عاد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من غزوة قال لأصحابه: «مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر. قيل: يا رسول اللّه، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس». وقال (صلى الله عليه وسلم): «أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه».
الجهاد مع النفس هو الوجه الخفي للجهاد أو الحرب. فبعد أن أمر هاري ترومان، الرئيس الأسبق للولايات المتحدة، باستخدام القنبلة النووية ضد هيروشيما في 6 أغسطس (آب) عام 1945. ذهب لشرب كوب من الشاي مع زوجته!
ربما عندما أشعلت مريم النار في نفسها كنا نكتب هذا المقال، ونشرب الشاي، ونستمتع بحياتنا. ولكن ينبغي علينا النظر في مرآة مريم لنحاول العثور على روحنا وقيمنا.
ربما لو وُجدت زوجاتنا أو أخواتنا في نفس موقف مريم، لأشعلن النار في أنفسهن. ولذا حاولوا ألا تنسوا مريم في حياتكم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة