حسين شبكشي
رجل أعمال سعودي، ومستشار اقتصادي لعدد من الشركات الخليجية الكبرى، وعضو مجلس إدارة ورئيس مجلس إدارة في عدد من الشركات السعودية والأجنبية. نشر العديد من المقالات في مجالات مختصة، وفي صحف ومجلات عامة في العالم العربي. اختير عام 1995 «أحد قادة الغد» من قبل «المنتدى الاقتصادي العالمي» في دافوس. أول رجل أعمال سعودي وخليجي ينضم إلى «منتدى أمير ويلز لقادة الأعمال».
TT

موائد وأسماء وشعوب!

كيف يتولد العنف ويتأصل؟ هل الثقافة الشعبية «ترحب» به فتدعمه وتغذيه وتنميه؟.. أسئلة مهمة ومنطقية أن تطرح في ظل استمرار نمو دوائر الدم وحلقاته من حولنا في هذه المنطقة من العالم الموعودة على ما يبدو بالمآسي المستمرة.
في أيام هذا الشهر الفضيل لا تغيب سيرة الأكل وأنواعه عن المجالس كما هو متوقع، فمع الصوم والجوع يزداد النهم والتفكير فيما لذ وطاب من الأكلات والوجبات. لاحظت بالكثير من الدهشة والاستغراب أن أسماء الوجبات لبعض الأنواع لا تخلو من العنف أبدا بل هي مليئة بالغضب، فتجد أسماء وجبات مثل «المنسف» و«المكبوس» و«الكبسة» و«المضغوط» و«المفروكة» و«الهريس» و«المهروسة» و«المعجونة» و«المقلوبة» و«المحروقة» و«المدفونة» و«النارية» و«الحريقة» و«الطرمبا» وغيرها، مع عدم إغفال وجود الأنس والفرفشة في بعض المسميات التي وردت بنكهة موسيقية لا يمكن إغفالها، فهي التي ألهمت أسماء مثل «المطازيز» و«الشكشكة» و«البسبوسة» و«السوكودانا» و«الططلي» و«اللدو» و«المنتو» و«الكسكسي» وغيرها.
وأتمعن في غزو مفردات الأغنية وإقحام الأكل بقوة فيها، فالأكل ألهم أغاني مثل «كل خد عليه خوخة» و«البرتقالة» و«نعناع الجنينة» و«الفراولة» و«العنب» و«القوطة».
علاقة الشعوب بالأكل علاقة عجيبة غريبة، فالسوريون لديهم عشق في الحديث عن الأكل وعن أهم منتجات الأرض الزراعية للموسم، فبدلاً من أن يحدثك عن الطقس أو عملك مثلاً يحدثك عن أكلتك المفضلة ويتفنن في وصفها لك تمامًا كما هو الحال مع الفرنسي مثلاً الذي لا بد أن ينتقد وبعنف المطبخ «الآخر» أيًا كان حديثك عنه، فهو لديه القناعة التامة بأنه لا يعلى بأي حال من الأحوال على المطبخ الفرنسي بمعجناته وصلصاته ومقاديره الخاصة والمميزة، وهذا الأمر ينطبق بشكل مغاير ومختلف على الهند والصين، وهما دولتان هائلتان حجمًا ومساحة، إذ مطبخهما غني جدًا بقدر غنى وثراء وتنوع أهلها من المشارب المختلفة، فلا بد بالتالي أن ينعكس ذلك بشكل جلي جدًا على الأصناف المقدمة والمعدة من قبلهما.
هوية الشعوب تظهر من هوية المائدة فيها، فبقدر التنوع والعمق والثراء المقدم عليها تكون انعكاسات الشخصية لتلك الشعوب، وهي البصمة الوراثية لشعوب البحر الأبيض المتوسط على سبيل المثال. فأهل البحار، وهم مهد الحضارات كما يطلق عليهم، تعكس موائدهم الانصهار الحضاري الهائل لشعوب هذه المنطقة بامتياز. أيضًا الشعوب الواثقة من مائدتها تفتخر بأطباقها جدًا وتعتبرها من رموزها تمامًا كما يفعل الفرنسيون مع «الكرواسون» والألمان مع «الفرانكفورتر» والأميركان مع الهامبرغر. وفي مصر يفتخرون أن الذي بناها كان في الأصل «حلواني».
سأكتفي بهذا القدر لأنه صار من الواضح جدًا أنني أكتب هذه الكلمات وأنا في غاية الجوع وبانتظار مدفع الإفطار.