أميركا والنخبة السياسية

أميركا والنخبة السياسية

الأربعاء - 4 شعبان 1437 هـ - 11 مايو 2016 مـ رقم العدد [13679]

لم يُشهر أحد، أي أحد، ولا دونالد ترامب نفسه، بالنخبة الشرقية أكثر مما فعل الرئيس الراحل ريتشارد نيكسون. لقد شن ثورة خاصة ضد جامعة هارفارد. فلقد صرخ في وجه كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك اتش آر هالدمان إذ قال «لا أريد أحدا منهم في مجلس الوزراء، أتفهم ما أقول؟ لا أريد أحدا من أوغاد هارفارد في حكومتي!» وبرغم ذلك وعندما حان الوقت لاختيار مستشار الأمن القومي في حكومة نيكسون، اختار هنري كيسنجر، البروفيسور في جامعة هارفارد، الذي يجسد اليوم مؤسسة الساحل الأميركي الشرقي لنخبة السياسة الخارجية.
أما موقف السيد ترامب حيال السياسة الخارجية فهو يتراقص على مستويين: نزعة أميركا أولا الانعزالية من حيث المحتوى، والمجزأة عبر الإطار المندفع المناهض للمؤسساتية والمناهض للخبراء كذلك. والمستويان لا انفصال بينهما بحال – ففي عالم السيد ترامب، كانت نخبة السياسة الخارجية في الحزبين الكبيرين قد دفعت بالبلاد في خضم تحالفات باهظة التكاليف وحروب غير مجدية. فما عليك إلا التخلص منهم وسوف تكون أميركا أمة عظيمة مرة أخرى.
في واقع الأمر، نعتبر أن ترامب نجح في نزعته التراجعية. بقدر ما يخشى حلفاؤنا من نزعة الانعزالية الجديدة التي يقودها ترامب، فإن سياسته المناهضة للمؤسساتية في البلاد، هي أكثر ما يصيب الأمن الدولي بالهلع. وكما اعترف نيكسون ذاته من قبل، منذ صعود الولايات المتحدة كقوة عالمية كبرى في أواخر القرن التاسع عشر، اعتمدت الحكومات الأميركية المتعاقبة على صفوف تلو الصفوف من الدبلوماسيين من ذوي التدريب والمهارة والخبرات الرفيعة، إلى جانب الممولين العالميين، وأساتذة الجامعات الذين يقودون دفة الأمور بحنكة ومهارة. فما عليك إلا التخلص منهم، كما يبدو من توجهات السيد ترامب، وسوف تغرق في فيضان من الفوضى اللامتناهية.
إن ثرثرة السيد ترامب حول التخلص من النخبة ليست بالشيء الجديد. ففي أعقاب عام 1952، كان نيكسون، الذي كان المرشح المرافق لدوايت ايزنهاور وقتئذ، مسرورا بالإشارة إلى مرشح الحزب الديمقراطي ادلاي ستيفنسون حاكم ولاية الينوي، وخريج جامعة برينستون العريقة، عندما وصفه بـ«المثقف واسع المعرفة» – وهو وصف يستخدم للتقليل، وليس التفخيم من شأن المثقفين.
ولكن من الواضح، حتى في ذلك الوقت، أن ذلك الخطاب كان للاستهلاك المحلي خلال الحملة الانتخابية فحسب. حيث لعب الرئيس ايزنهاور دوره كرجل الدولة اللطيف القريب من المواطنين، حيث كان وزراء خارجيته جون فوستر دالاس، ثم كريستيان هيرتر من أبرز أعضاء مجلس العلاقات الخارجية الذي لا يضمّ إلا النخبة.
وتابع نيكسون نفس المسار لما تولى الرئاسة، فبالإضافة إلى السيد كيسنجر، عيّن ويليام روجرز، المحام الرفيع في وول ستريت، في منصب وزير الخارجية، واليوت ريتشاردسون، أحد أبناء عائلات بوسطن النخبوية الثرية، في منصب وزير الدفاع. كان نيكسون يدرك أن العالم مكان مفعم بالكثير من التعقيدات التي تتطلب نوع خاص من الحنكة والخبرة والتجربة، حتى لو تطلب الأمر العثور عليها وسط أروقة جامعة هارفارد. وعلم أنه كي يفتح مسار الحوار مع الصين الشيوعية، ويتفاوض حول معاهدة الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي، كان في حاجة ماسة إلى خبير داهية في السياسة والدبلوماسية مثل هنري كيسنجر.
وبطبيعة الحال، كان «أبرز وألمع» الشخصيات في الإدارات الأميركية في حقبة الستينات من القرن الماضي - رجالا أكاديميين على شاكلة والت روستو وكيسنجر، وكبار عمالقة الشركات التجارية مثل روبرت ماكنمارا - كانوا أبعد ما يكونون عن حدّ الكمال، إن وصفناهم بمزيد من العبارات اللطيفة. حيث يتحمل أولئك الرجال المسؤولية عن كارثة حرب فيتنام ومقتل 58 ألف ضابط وجندي أميركي قضوا نحبهم هناك، ناهيكم عن ملايين المواطنين الفيتناميين الذين ماتوا في الحرب.
ولكنهم كانوا أيضا سبب في تعزيز وترسيخ النظام العالمي غير المستقر وغير المتوازن، والذي كان على شفا الحرب النووية المهلكة.
عبر السنوات، يبتعد الناخبون رويدا عن السذاجة الداعية إلى خلق «القلعة الأميركية الحصينة»، كما صرح بذلك السيناتور روبرت تافت في أوائل حقبة الخمسينات من القرن الماضي، أو كما دعا شعار الحملة الانتخابية الرئاسية القديم لجورج ماكغفرن في عام 1972 والذي يقول «أميركا، عودي إلى بيتك».
وعلى الرغم من أن النخبة السياسية تحمل معاني متضمنة وجلية مناهضة للديمقراطية، فإن مؤسسة السياسة الخارجية اليوم تبدو تماما مثل الولايات المتحدة التي توجهها. كانت النخبة الشرقية منعزلة للغاية في عهد الرئيس ايزنهاور: حيث كانوا من الذكور صغار السن البيض البروتستانت. ولكنها توسعت كثيرا في عهد الرئيس نيكسون لتضم السيد هنري كيسنجر، اللاجئ اليهودي. ومؤسسة السياسة الخارجية في يومنا هذا صارت مكتظة بالكثير من خريجي الكليات والجامعات العريقة، ولكن الكثيرين منهم هم أبناء الأقليات وأبناء وأحفاد المهاجرين.
وما من شك، يمكن توجيه الانتقادات لمؤسسة السياسة الخارجية الحديثة بسبب التفكير البائد أو البطئ، أو الاهتمام بالمصالح الذاتية ضيقة الأفق. ولكنها، برغم ذلك، تضم بين جنباتها العديد من الرجال والنساء من ذوي المعارف المتطورة في مختلف مجالات الحياة. ومن الغباء البيّن تجاهل تلك النخبة وآرائهم البصيرة بمختلف القضايا والأمور.
*خدمة: نيويورك تايمز


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو