الحرب الباردة الجديدة

الحرب الباردة الجديدة

الثلاثاء - 23 جمادى الأولى 1435 هـ - 25 مارس 2014 مـ رقم العدد [12901]

إن كنا سنصدق عناوين الصحف وأخبار التلفزيون فإننا في وسط «حرب باردة جديدة»، نتيجة لقرار روسيا بالاستيلاء على شبه جزيرة القرم. قد تكون المقارنة مريحة بالنسبة لمن يعيشون على جانبي المحيط الأطلسي: كانت الحرب الباردة الحقيقية هي آخر حرب كسبتها أميركا والغرب أو قد يبدو كذلك. لكن هذا مضلل بشكل خطير. ليست هذه حربا باردة جديدة. ولا يتجه العالم إلى صراع حضارات بين نظامين يختلفان جوهريا في تنظيم المجتمع. إنها مأساة لروسيا ولجاراتها القريبات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي أن يكون على قمة النظام فلاديمير بوتين، وأن يسولي الأعوان على الكثير من أصولها. وتحول حكم الحزب الواحد إلى حكم اللمسة الواحدة بواسطة زملاء بوتين السابقين من الاستخبارات الروسية «كي جي بي» والكرملين وغيرهم من الفاسدين المتنوعين.


لكن ليست هناك «بوتينية» يمكن تصديرها بعيدا خارج حدود روسيا. فالقومية الروسية القديمة ورأسمالية الجماعات أو العصابات لا تقدم بديلا للعالم، إذ لا توجد فيها رؤية ولا نظام عالمي للقيمة.


مهما كانت عيوبها ووحشيتها فإن الشيوعية كانت فكرة كبيرة، أرضت على مدى عقود عقول الناس الأذكياء، وإن كانوا مضلَلين، وألهمت الأمل «بالخلاص» للملايين عبر العالم. ومن غير المحتمل كثيرا أن يلهم بوتين المثل لأي شخص سوى الجموع التي حيته في موسكو يوم الثلاثاء بعد خطابه الناري مقرعا الغرب، وربما بعض المواطنين من أصل روسي في شبه جزيرة القرم وأماكن أخرى في روسيا «قرب الخارج».


من الخيال أن نتصور أن يكون هناك قادة للمزارعين في أميركا الجنوبية وآسيا وأفريقيا يقاتلون من أجل عقيدة ثورية يبشر بها من موسكو، كما فعلوا أثناء الحرب الباردة. «يا عمال العالم اتحدوا.. من أجل أرباح شركة (غازبروم)!» ليس شعارا جاذبا.


لم يكن التهديد للديمقراطية الليبرالية والحرية خلال معظم فترة الحرب الباردة هو الجيش الأحمر أو ترسانة الاتحاد السوفياتي النووية، بل كان آيديولوجيا بدت لزمن طويل وكأنها تقدم بديلا للرأسمالية والقيم الغربية. لكن ذلك كان وهماً، وهماً شارك فيه الكثير من الناس في الغرب. لكن ليس هناك احتمال أن يستيقظ سكان العواصم الأوروبية ذات صباح ليجدوا أن المفوضين صادروا وسائل الإنتاج.


إن كان ثمة تهديد فهو جغرافي وليس آيديولوجياً، وهو ضمن منطقة مغلقة في محيط روسيا. وعلى الرغم من حديث بعض المسؤولين في موسكو وبعض محاربي الأرائك في قناة «فوكس نيوز»، فليس هناك تحد عسكري عالمي، ولا صدام من نوع ثقافي أو خلافه. إن كان هناك أي شيء فهو عكس ذلك. فخلال معظم فترة الحرب الباردة كان هناك القليل من الروابط الاقتصادية أو التجارية بين الشرق والغرب. أما الآن فالتجارة مرتبطة كما لم تكن أبدا من قبل. وتصدر روسيا الغاز بكميات هائلة كما تصدر مليونيراتها.


بعد يوم من سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم هبطت بورصة موسكو بنسبة نحو 10 في المائة وإن انتعشت بعد ذلك. وخلال معظم فترة الحرب الباردة لم تكن هناك بورصة في موسكو. لكن هناك صدى صوت للحرب الباردة يدعو إلى الاكتئاب، إذ قال وزير الخارجية الأميركي جون كيري إن الديمقراطية «لن تُسرق أبدا بالطلقات أو الغزو»، قول مثل ما قاله أسلافه في الستينات والسبعينات.


تحدث القادة الأميركيون خلال الحرب الباردة عن «دحر الشيوعية» و«تحرير الشعب الأسير خلف الستار الحديدي»، لكنهم لم يفعلوا شيئا يخاطر بالنزاع المسلح وبالتأكيد بعد أزمة الصواريخ الكوبية.


كانت الحروب الساخنة تتم بالوكالة، باتفاق غير مكتوب بأن القوى الكبرى لن تواجه بعضها البعض في أي مكان قرب الستار الحديدي ذاته. وعندما ارتكب السوفيات بعض الفظاعات في المجر عام 1956 وفي براغ عام 1968، وصف رئيس أميركا ورئيس وزراء بريطانيا ذلك بأنه «غير مقبول» ثم عادا وقبلاه.


وكانت تلك تقديرات مقبولة تماما: لم يكن هناك من هو مستعد في الغرب لخوض حرب من أجل بودابست. كانت الخطابات السياسية المبالغ فيها هي السمة، والوعود الضمنية التي لا يتم الوفاء بها، والتي تركت طعما مريرا من النفاق. وعندما أتت اللحظة الحاسمة وسقط جدار برلين وانهارت الإمبراطورية السوفياتية، كانت أوروبا الشرقية هي التي حررت نفسها، ولم يكن للآخرين كبير تأثير على ذلك على الرغم من الشعور بالنصر والتفوق في الغرب.


والآن استبعدت الولايات المتحدة وأوروبا أي رد عسكري على أزمة شبه جزيرة القرم. والدول الأوروبية الكبرى تعارض فرض أي عقوبات كبيرة، مما يعد مناسبا باعتبار التكاليف المحتملة الباهظة في وقت هشاشة اقتصادية كبيرة تعاني منها القارة.


ما يعد غير مناسب هو تصعيد الخطابات حول الحرية والديمقراطية التي لم تحقق الكثير خلال الحرب الباردة، والتي من المحتمل ألا تحقق الكثير الآن أيضا.


هذا ليس زمن الغلو والنفاق. والشيء الذي يجب أن يفعله القادة الغربيون بأمانة هو أن يخبروا أوكرانيا أنها وحدها، وأنه ليس هناك الكثير في الواقع مما هم مستعدون لتقديمه لها، وأن يعترفوا بأن قوتهم محدودة ومقيدة. سيكون ذلك هو الشيء الصادق الذي عليهم إخبار الناخبين الغربيين به أيضا.


* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة