أوباما وعقدة الدولة الفلسطينية!

أوباما وعقدة الدولة الفلسطينية!

السبت - 29 رجب 1437 هـ - 07 مايو 2016 مـ رقم العدد [13675]
راجح الخوري
كاتب لبناني

لماذا يتذكر الرئيس باراك أوباما القضية الفلسطينية، التي كان قد اختار أن يبدأ بها ولايته الأولى في البيت الأبيض، ثم نسيها أو عجز عن إحراز أي تقدم فيها منذ ذلك الحين؟ هل هي محاولة لاجتذاب الاهتمام بعدما تحركت فرنسا لترجمة مبادرة الرئيس فرنسوا هولاند، التي أعلن عنها بعد محادثاته مع الرئيس محمود عباس في الإليزيه يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، أم أنها محاولة استلحاقية لإعطاء سياسة أوباما الخارجية صورة تجميلية، أم هي محاولة لترك خريطة طريق لخلَفه في البيت الأبيض حيال الصراع العربي - الإسرائيلي؟
قبل يومين، دعا وزير الخارجية الفرنسي جان مارك آيرولت نظراءه السعودي والقطري والإماراتي والتركي إلى عقد اجتماع في باريس، يوم الاثنين المقبل، قد تنضم إليه دول أخرى، هدفه بحث التطورات الدامية في حلب، لكن مصادر دبلوماسية غربية في بيروت تؤكّد أن مبادرة هولاند الفلسطينية ستستحوذ على جانب مهم من المشاورات في هذا اللقاء، بما يمهّد للاجتماع الوزاري الدولي الذي سيعقد في العاصمة الفرنسية في 30 مايو (أيار) الحالي، ليناقش هذه المبادرة التي تنطلق على أساس «المبادرة العربية للسلام لعام 2002»، والتي كان قد اقترحها يومها الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، وأقرتها سلسلة من مؤتمرات القمة تباعًا.
بعد أقل من أسبوع على إعلان هولاند عن مبادرته، بدأ الحديث في واشنطن عن توجّه الإدارة الأميركية إلى إطلاق تحرك جديد لإخراج عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين من غرفة الإنعاش، لكن المحلل والسفير الأميركي السابق لدى إسرائيل دانيال كيرتزر كتب مقالاً في نشرة يصدرها الكونغرس، جاء فيه أن 394 عضوًا في مجلس النواب الأميركي وجهوا رسالة إلى البيت الأبيض يؤكدون فيها أن حلاً للنزاع لا يمكن أن يُفرض من الخارج، وأن الفلسطينيين والإسرائيليين وحدهم قادرون على إنهاء نزاعهم.
كانت الرسالة واضحة، وهدفها تذكير أوباما بأن الكونغرس الذي سبق أن دعا بنيامين نتنياهو إلى إلقاء خطاب أمامه، رغم ممانعة البيت الأبيض، والذي واجه دائمًا كل التحركات الدبلوماسية التي أطلقها لحل القضية الفلسطينية، لن يقبل الآن في نهاية عهده بأي تحرك من هذا النوع، وتأكيدًا على هذا، قدّم عضوا المجلس جون يارموث وديفيد برايس مشروع قرار إلى الكونغرس، يدعم أمن إسرائيل، ويعارض تحرك السلطة الفلسطينية لإحالة تل أبيب إلى المحكمة الجنائية الدولية، بسبب عمليات الاستيطان وتهويد أراضي الفلسطينيين!
من الضروري العودة إلى السؤال: ما الذي دفع أوباما إلى تذكر القضية الفلسطينية التي كان قد اختارها بعد حروب سلفه جورج بوش الابن، كبوابة لإصلاح العلاقات الأميركية مع الدول العربية، التي أدى فشله الصارخ فيها وتهافته على مصالحة إيران وتوقيع الاتفاق النووي معها من وراء ظهر حلفاء أميركا الخليجيين، إلى زيادة البرودة في العلاقات الأميركية - العربية؟
هل هي محاولة لقطع الطريق على مبادرة هولاند رغم رفض إسرائيل الفوري لها، أم أنها ترتبط عمليًا بإحساسه العميق بأنه يخرج خالي الوفاض من أي إنجاز في سياسته الخارجية، ففي إيران تستمر شعارات «الموت لأميركا.. والموت للشيطان الأكبر»، وفي القرم وأوكرانيا واجه الخيبة أمام تحديات فلاديمير بوتين، الذي سيُلحق به في سوريا المزيد من الخيبات والهزائم السياسية، وليس سرًا أن عددًا كبيرًا من الوزراء والدبلوماسيين الذين عملوا معه في ولايته الأولى، يتهمونه بأنه أسوأ من جورج بوش، طبقًا للنظرية الرائجة في واشنطن «الإفراط في الانسحاب أسوأ من الإفراط في التدخل».
التقارير الدبلوماسية تشير إلى احتمالين يرسيهما البيت الأبيض لمقاربة أخيرة يقوم بها أوباما تجاه القضية الفلسطينية:
1- إما وضع صيغة تتضمن أفكاره ورؤيته حيال الصراع والحل العادل والمقبول لدى الطرفين، على أن تشكّل هذه الصيغة أساسًا ومنطلقًا لبيان تعمل واشنطن على أن يصدر عن مجلس الأمن، متبنيًا هذه الأفكار قبل نهاية عهد أوباما في 21 يناير (كانون الثاني) المقبل، وهو ما يلاقي معارضة قوية من قيادات في الحزب الديمقراطي التي تخاف من أن يلعب الصوت اليهودي دوره في إسقاط المرشحة أو المرشح عنه في الانتخابات الرئاسية.
2- وإما الدعوة إلى مؤتمر أخير يحضره الجانبان الفلسطيني والإسرائيلي ويفتتحه أوباما بـ«خطاب تاريخي» يعرض فيه النقاط الأبرز والمخارج التي يراها مدخلاً صالحًا لإنجاح عملية السلام، وفي هذا السياق يقول دانيال كيرتزر في مقال نشره في مجلة الكونغرس «ذي هيل» إن الفلسطينيين والإسرائيليين انخرطوا في محادثات جادة مرة مع بيل كلينتون، وعلى أساس رؤيته عام 2000 التي تراجعوا عنها، ومرة في مؤتمر أنابوليس عام 2008 مع جورج بوش الابن ورؤيته لقيام الدولتين، ولكن هذا لا يلغي المحاذير التي تقلق الحزب الديمقراطي بسبب الانتخابات ومعارضة نتنياهو الأكيدة لحضور مؤتمر من هذا النوع، يضع خريطة طريق لسلف أوباما في البيت الأبيض.
كل هذه الأفكار الأميركية لن تتمكن من قطع الطريق على المبادرة الفرنسية رغم أن نتنياهو أطلق عليها نيرانه باكرًا، وكل هذه الأفكار أعادت إلى الأذهان محطات كثيرة فاشلة لأوباما على طريق القضية الفلسطينية، منذ أن وقف في قاعة الاستقبال الكبرى في جامعة القاهرة يوم 4 يونيو (حزيران) شارحًا خطته التي سمّاها «بداية جديدة» (a new beginning)، والتي كان محورها تنفيذ رؤية جورج بوش لقيام الدولة الفلسطينية إلى جانب الدولة الإسرائيلية، وما قاله أوباما في القاهرة كرره بعد يومين في إسطنبول «لا حل لقضية الشرق الأوسط إلا على أساس رؤية الدولتين».
وزيرة خارجيته الأولى هيلاري كلينتون زارت إسرائيل 7 مرات بين عامي 2008 و2013، ولم تتمكن من أن تتقدم خطوة واحدة في طريق التسوية، أما جون كيري الذي خلفها في الخارجية منذ عام 2013، فقد هبط في إسرائيل 11 مرة محاولاً زحزحة نتنياهو في اتجاه الحل العادل والدائم، لكنه لم يتمكن من أن يوقف جرّافة واحدة تقوم بهدم بيت فلسطيني وتشريد أهله.
فعلاً ما الذي أيقظ أوباما على قضية العصر التي ألحقت به الفشل منذ بداية ولايته، وخصوصًا في ربع الساعة الأخير من عهده، وفي زمن الانتخابات التي يلعب فيها الصوت اليهودي دورًا كبيرًا في السياسة الأميركية؟ ولماذا يودّع أوباما قضية فلسطين في النهاية، بخطاب يكتبه بحبر المرارة أو حتى بمؤتمر لن يكون أكثر من اعتراف بالمرارة: لقد حاولت لكنني فشلت.
في الحالين سيكون الأمر بمثابة وداع هزلي بلا دموع أو حسرة، على الأقل في المنطقة الممتدة من القرم وأوكرانيا إلى سوريا وحلب، التي تُذبح أمام البيت الأبيض بالحديد والنار، بعدما ذُبحت الغوطتان الدمشقيتان بالسلاح الكيماوي الذي ابتلعه أوباما!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة