قلب فريد وعقل سعاد

قلب فريد وعقل سعاد

الاثنين - 22 جمادى الأولى 1435 هـ - 24 مارس 2014 مـ رقم العدد [12900]
طارق الشناوي
كاتب مصري

الفيلسوف الفرنسي الحائز على نوبل هنري بيرغسون صاحب كتاب «الضحك» الذي صار حجر الزاوية في تفسير مقومات الكوميديا، له عبارة شهيرة تتسع تخومها لتتجاوز خشبة المسرح إلى الدنيا وهى «الحياة مأساة تراجيدية لمن يشعرون وملهاة كوميدية لمن يفكرون».
المهم ليس الحدث أو الموقف ولكن زاوية الرؤية التي نطل من خلالها عليه، هل بالقلب أم بالعقل، وهكذا نستطيع أن نلمح كل شيء في حياتنا وهو يخضع لنظرية بيرغسون حتى على المستوى السياسي، أطلقنا على الثورات العربية بقلوبنا صفة ربيع رغم أنها انطلقت في عز الشتاء، وكلنا ندرك الآن أن قسطا وافرا من الناس - ولست بالمناسبة منهم - يرونها بعقولهم خريفا.
عشنا قبل أيام بدايات بزوغ فصل الربيع وعلى الفور تصعد أغنية «الربيع» لفريد الأطرش التي انطلقت في منتصف الأربعينات فصارت بمثابة ارتباط شرطي، الربيع لا نعرفه بأوراق شجر أخضر ولا بتغريد العصافير الملونة ولكنه «ربيع» عندما نستمع فقط لأغنية فريد، والتي يطلق عليها أهالي الشام أغنية الفصول الأربعة لأن شاعر الأغنية مأمون الشناوي كان يكتب عن تغير الحب بين فصول العام فكتب مثلا «وادي الشتا يا طول لياليه ع اللي فاته حبيبه.. يناجي طيفه ويناجيه ويشكي للوجود تعذيبه»، ظلت الأغنية مسيطرة بمفردها على المشهد لمدة 30 عاما، حتى جاءت أغنية «الدنيا ربيع» لسعاد حسني التي لحنها كمال الطويل وكتبها صلاح جاهين في فيلم «أميرة حبي أنا» لحسن الإمام، ومنذ ذلك الحين صار للربيع أغنيتان ووجهان مثلما قال بيرغسون مأساة عند فريد وملهاة عند سعاد!
جاهين والطويل وسعاد قدموا وجها ضاحكا آخر للربيع، بينما مأمون وفريد قدما وجها مليئا بالشجن.. لدينا في الدراما «البارودي»، أي أن هناك رؤية ضاحكة لعمل فني مغرق في العنف، مثلا أفلام الكاوبوي الأميركية المليئة بالمسدسات والبنادق والدماء شاهدنا على الجانب الآخر أفلاما تقدم الوجه الآخر كاوبوي إيطالي وإسباني بمذاق كوميدي أطلقوا عليها على سبيل السخرية «كاوبوي إسباجيتي»، ولدينا مثلا في منتصف الخمسينات فيلم المخرج صلاح أبو سيف «ريا وسكينة» الذي تناول حياة أشهر قاتلتين في مصر، بعدها بعام واحد لعب إسماعيل يسن ومع نفس بطلتي الفيلم القديم نجمة إبراهيم وزوزو حمدي الحكيم بطولة فيلم «إسماعيل يسن يقابل ريا وسكينة»، وفي الثمانينات شاهدنا يونس شلبي مع شريهان في رؤية ساخرة وهو ما كرره المخرج حسين كمال في المسرحية التي حملت نفس الاسم بطولة شادية وسهير البابلي وهو آخر عمل فني لعبت شادية بطولته قبل اعتزالها، وفي الغناء مثلا يقدم شكوكو «لا تكذبي أني رأيتكما معا كنت بحسبك ملوخية لكن طلعتي مسقعة» بينما عدوية يغني ساخرا من عبد الحليم «نار يا حبيبي نار فول بالزيت الحار».
في ربيع سعاد نتأكد أنها لا تريد أن تثير أي لحظات من الألم ولكنها تتجاوز عن كل شيء من الممكن أن يعكر صفو اللحظة «قفلي على كل المواضيع».
لنرى تلك الحالة من الامتزاج بهذا التوافق اللاشعوري بين لحن كمال الطويل وكلمات صلاح جاهين وبهجة صوت سعاد حسني الذي عبر عن حالة التصالح مع الحياة بهذا الرنين الخفي «الشجر الناشف بقى ورور والطير بقى لعبي ومتهور» تشعر وكأن جاهين والطويل استلهما الكلمة والنغمة من نبرات سعاد، بينما فريد لا يزال صوته يحلق بنا وهو يقول «وغاب عني لا طمني ولا قال امتى راح أشوفه وأقول يمكن ح يرحمني ويبعت للربيع طيفه»، وهكذا يأتي الربيع بقلب فريد وعقل سعاد!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة