محمد رُضا
صحافي متخصص في السينما
TT

تحليل نفسي

ذات مرّة كتب مشاهد متحمس للزميل الراحل سمير نصري رسالة غاضبة ردًا على نقد كتبه الناقد في صحيفة «النهار»، في السبعينات، قال له فيها ما معناه إنه، أي القارئ، تابع كتابات الناقد منذ فترة طويلة، لكنه الآن سوف يتوقف عن ذلك: «لقد اكتشفت أن كل فيلم تكتب عنه جيدًا هو فيلم رديء، وكل فيلم رديء بالنسبة لك يكون فيلمًا جيدًا بالنسبة لي».
ما ذكرني بها قبل أيام رسالة بالمعنى ذاته بعث بها قارئ إلى موقع سينمائي أميركي يقول فيها إن نقاد السينما هم آخر من يستطيع أن يفيد الجمهور لأنه اكتشف أيضًا أن الفيلم الذي يعجبه يرفضه النقاد، والعكس صحيح.
شخصيًا، واجهت عندما كنت في مطلع المهنة النقدية حادثتين من النوع ذاته.
الأولى عندما تقدمت مني صحافية شابّة وسألتني عن فيلم تشاهده هذه الليلة. بسذاجة، اقترحت عليها فيلمًا بريطانيًا للمخرج البولندي ييرزي سكولوموفسكي، وعنوانه «نهاية ميتة» - أو مقفولة - (Dead End). كنت قد شاهدته قبل يومين وأعجبني فيه التحليل النفسي. شكرتني على النصيحة، ومضت في طريقها. وفي اليوم التالي، تقدّمت مني وقالت لي: «ما هذا الفيلم الذي أرسلتني إليه؟ لا شك أنك تعاني من عقد نفسية. لن أسألك بعد الآن».
بلعت الإهانة، فقد كانت تكبرني سنًا، واعتبرت أنه لو دخلت معها صالة السينما لربما خففت الوقع عنها قليلاً.
الحادثة الثانية، كانت عندما ذاعت شهرتي في محيط منطقة الحص وعائشة بكار، في بيروت. كنت أركب «السرفيسات»، ويسألني سائقوها عن الفيلم الذي أنصحهم به لمشاهدته. عادة ما كنت أعلم أنهم يحبون الفيلم المثير والمتحرك تشويقًا وتصويرًا، إلى أن جاء يوم سألني فيه السائق أبو محمود السؤال التقليدي (ولا بد أن أكتب بعض الحوار بالعامية البيروتية): «شو أستاذ؟ أي فيلم تنصحني به؟».
لا أدري كيف أخطأت وذكرت له فيلم إنغمار برغمن. نعم برغمن دفعة واحدة! هذا وقتها (في السبعينات) كان تفكيك أفلامه وفهمها أصعب من مادة الفيزياء النووي. سألني ما عنوانه، قلت له «صرخات وهمسات». تحمس، وفسرت ذلك بأنه اعتقد أن الفيلم عاطفي.
بعد أسبوع، حدث أن ركبت في سيارته مع أربعة ركاب آخرين، وكالعادة مد كل منا يده بالربع ليرة، أجرة التوصيلة. أخذ النقود من كل واحد، لكنه أهملني.. خطر لي أن يكون ذلك تقديرًا منه لنصيحتي، لكنه قال: «أنت؟ أنت ستدفع لي خمسين ليرة». فوجئت، وقبل أن أعرف ما يقصده رفع صوته ليسمع الركاب الآخرين: «الأستاذ ناقد بالسينما. وقبل أسبوع سألته أن يدلني على فيلم أشاهده. دلني على فيلم ما فهمت منو شي.. حيطان فايتي بأبواب، وامرأة تموت وصوتها لسه طالع.. كلفني سعر التذكرة وساعتين ونص من عدم العمل».
ضحك الركاب، إما علي أو عليه، لكن أحدهم سأل عن عنوان الفيلم، فكررته. فعاتب السائق: «أبو محمود. يبدو لي أن الفيلم حلو من عنوانه». رد أبو محمود: «روح شوفو، ورد علي خبر. سأنقلك مجانًا طوال هذا الشهر إذا تحملت نصف ساعة منه». قال هذا ومد يده وأخذ مني نقودي مبتسمًا، وقال: «أنا فاهم عليك. أنت مثقف والفيلم للمثقفين أمثالك، بس نحنا سواقين التاكسي بدنا فيلم نتسلى فيه. يللا.. خيرها بغيرها».
من يومها وأنا قلّما أنصح أحدًا بمشاهدة فيلم دون آخر. أكتب ما أراه والمشاهد حر في اختياره.