زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

الفراعنة اكتشفوا أميركا!

يصعب بحال من الأحوال وجود إحصاء دقيق عن عدد المؤلفات التي تدور حول معجزات الفراعنة في مجالات العلوم والتكنولوجيا! وأكثر هذه المؤلفات لا تمت للعلم بصلة؛ وهي نتاج عقول إما أصيبت بهوس اسمه الفراعنة؛ أو عقول تحاول بشتى الطرق اعتبار الحضارة الفرعونية نتاج قوم هبطوا من الفضاء الخارجي؛ أو جاءوا ضمن الهجرة المزعومة لسكان الأطلانتس المفقودة. المهم هو التأكيد على أن المصريين لم يبنوا حضارة؟!
وفى هذا السياق جاء في كثير من المؤلفات أن حضارتي المايا والمكسيك أصولهما مصرية‏ فرعونية؛ وكلتا الحضارتين تنتمي لحضارة الفراعنة الذين رحلوا إلى أميركا وبنوا الحضارتين وسكنوا المكسيك‏!‏ أما كيف تم هذا؟ فيقال حسب زعم جماعة كبيرة من مؤلفي كتب الهوس بمصر الفرعونية: إن الملك أمنحوتب الثالث أرسل ثلاث بعثات للبحث عن المعرفة واستكشاف العالم القديم: الأولى عبرت البحر المتوسط ودخلت المحيط الأطلسي وانقطعت أخبارها لتظهر آثار الفراعنة في المكسيك عند اكتشاف كريستوفر كولومبوس لها؛ والبعثة الثانية دارت حول أفريقيا وانقطعت أخبارها لتظهر آثار الحضارة الفرعونية على سكان أستراليا الأصليين من حيث عبادتهم للشمس، التي تسمى في لغتهم القديمة «را» المأخوذة من اسم «رع» الفرعوني؛ ويتشابه بها أيضًا صيد الأسماك بالحراب والطيور بأداة البوميرانج، وهي العصا المعقوفة التي ظهرت في نقوش المقابر الفرعونية. وقد أتى إلينا كتاب هذه النوعية من الكتب ببردية من عهد الملك نخاو - عثر عليها في وادي الملوك - وتحكي قصة الذهاب إلى أميركا واستيطان بعض المصريين هناك‏.‏
وأؤكد أنه لا يوجد أي دليل مكتوب أو مرسوم لهذه الرحلات ولم يسمع عالم آثار من قبل عن رحلة أمنحوتب الثالث إلى المحيط الأطلسي واكتشاف المكسيك‏؛ ولم يعثر على أية بردية بوادي الملوك تشير من قريب أو بعيد إلى ذهاب المصريين إلى أميركا، وقد اشتركت في مؤتمر علمي عقد في مدينة دنفر بولاية كلورادو الأميركية؛ اشترك فيه كثير من العلماء الذين يدرسون وينقبون ويبحثون في آثار المكسيك وحضارة المايا وغيرها‏؛‏ واتفقنا على أن أشكال الأهرامات التي توجد في هذه البلدان تتفق مع أهرامات مصر في أنها مقابر، ولكن عمرها لا يزيد على ‏ألف‏ عام‏؛ أي أنه لا صلة للملك أمنحوتب الثالث بها، واتفق الجميع على عدم وجود أي دليل يثبت أن المصريين القدماء قد زاروا أو اكتشفوا هذه المواقع‏.‏
ومن غرائب ما ورد في كتبهم عن الحضارة المصرية أيضا أن المصريين عرفوا الشيوعية حيث يصور ثورات المصريين في عصر الاضطراب الأول بأنها أول ثورة اشتراكية عرفها التاريخ وسبقت بها مصر روسيا ومارست مبادئ الاشتراكية! واستندوا في ذلك إلى نص غريب لم نسمع عنه من قبل يقول: «الأرض لمن زرعها والحرفة لمن احترفها»؛ وهي نفس مبادئ الشيوعية وأفكار الماركسية التي لا يوجد دليل واحد على أن الفراعنة طبقوها في مجتمعهم الذي كان فقط يؤمن بوجود قيمة الماعت، أي الحق والعدل والنظام. هذه القيمة كانت أساس تقدمهم وكانت مسؤولية الفرعون أن يقيم الماعت في الأرض وأن يثبت أحقيته في ملك مصر عن طريق تطبيق الماعت.
نعم كانت لهم معجزات في مجال الحضارة ولكن لم يصلوا إلى القمر ولم يسافروا عبر الفضاء أو يعبروا المحيطات.. هم بشر آمنوا بقدراتهم البشرية وما توفر في أرضهم من مصادر أحسنوا استخدامها؛ وبنوا حبًا في مصر.