القوة العسكرية هي ذروة أشكال القوة التي هي بالتأكيد لها أشكال متعددة، منها «الناعمة» التي تغري، ومنها الخشنة التي تجرح؛ وما بين الناعم والخشن، توجد مساحة كبيرة للدبلوماسية والإعلام والآيديولوجيا والدين. ولكن وراء كل هذه الأشكال الأخرى، فإن المصداقية تأتي من القدرة على المواجهة، حينما يكون الاحتكام للسلاح محتمًا، وأحيانًا كثيرة فإن المصداقية المستندة إلى قوة حقيقية، قد تكفي وزيادة، لمنع الانفجار والحرب. بناء هذه القوة يأخذ أشكالاً متعددة، منها الحصول على أنواع راقية من التسليح، ومنها التدريب حتى تصل القوات إلى أعلى درجات المهارة، ومنها التحالف الذي يوازن ويردع. مناورة «رعد الشمال» التي جرت مؤخرًا في حفر الباطن بالمملكة العربية السعودية، فيها كل ذلك الذي يبني المصداقية أمام تهديدات متصاعدة تركت بصماتها في ساحات متعددة يمكن إيجازها في نوعين من التهديدات؛ الأول له طبيعة جيو - سياسية وجيو - استراتيجية وجيو - مذهبية في آن واحد، لأن إيران تجسد بامتياز كل هذه التهديدات مجتمعة. جغرافيًا بامتلاك الساحل الشرقي للخليج، واستراتيجيًا من خلال ترجمة الجغرافيا إلى نفوذ يجد أشكالاً متعددة في العراق، وسوريا، ولبنان واليمن، ومذهبيًا بمحاولة تمثيل الشيعة في العالم، ما لم يكن كل المسلمين. والثاني الإرهاب الذي نما خلال أربعة عقود منطلقًا من القاعدة الفكرية والآيديولوجية للإخوان المسلمين، حتى وصل إلى الأشكال الوحشية لـ«داعش» و«القاعدة» وما لحق بهما من جماعات وحركات. والمدهش أنه رغم شكوى العالم من تهديد الإرهاب الذي يقوم به متطرفون إسلاميون، فإن أحدا لم يلحظ أن أكثر من 95 في المائة من ضحاياه مسلمون.
الظرف التاريخي الذي جرت فيه مناورات «رعد الشمال» له أبعاد: حالة التفكك في دول المنطقة التي أعقبت ما عرف بـ«الربيع العربي» وما أسفر عنه من حروب أهلية وضعف لدول المنطقة؛ والهجمة الإيرانية التي تزايدت في أعقاب الاتفاق النووي الإيراني الغربي؛ والأخطر من ذلك كله أن ما نجم عن هذا وذاك، بدأ يطرح خططًا لإعادة تشكيل المنطقة من جديد. «رعد الشمال» رسالة مهمة في هذه المرحلة، من حيث الموقع الذي جرت فيه (حفر الباطن) على الجانب الغربي من الخليج، وبوابة تحرير الكويت؛ ومن حيث القدرة حيث اجتمعت عشرون دولة، قدمت 350 ألف جندي، و20 ألف دبابة، و2450 طائرة، و460 هليكوبتر قتالية، وقدرات مدرعة وبحرية أخرى، ولمدة عشرين يومًا، تشكل في مجموعها واحدة من أكبر المناورات العسكرية في العالم، وأكبرها في الشرق الأوسط. المناورة هنا ليست استعراضًا للقوة، وإنما هي القوة نفسها، لأنها مكونة من دول عرفت في تاريخها الحديث والمعاصر اتخاذ قرارات جوهرية تتعلق بالحرب والسلام.
«رعد الشمال» لم تولد فجأة، وإنما هي النتاج الطبيعي لأكثر من عقد ونصف جرت فيه عمليات إعداد القوة الراهنة، ويعود تاريخها أولاً إلى مناورات «درع الجزيرة» بين أعضاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية الست، والتي تحولت إلى قوة استراتيجية عندما تدخلت لتحرير الكويت، ولمنع إيران من السيطرة على البحرين، ثم صارت فاعلة أكثر في عملية استعادة الشرعية في اليمن. وثانيا إلى المناورات السعودية - المصرية في عام 2000 تحت اسم «تبوك»، وشاركت فيها وحدات من القوات البرية من البلدين، وجرت على أرض الدولتين. هذه المناورات، وتحت ذات الاسم، قامت السعودية بالمشاركة فيها مع دول عربية وإسلامية أخرى. وثالثا إلى المناورات البحرية المصرية - السعودية تحت اسم «المورجان» والتي قامت بها السعودية ومصر منفردتين أحيانًا، وبالتعاون مع دول أخرى أحيانًا أخرى. مثل هذا القدر من التدريبات، والمناورات المشتركة، لا يمكن أن يحدث دون قدر مضاعف من أشكال التعاون، واكتساب الخبرات المشتركة في الاستخبارات، والتفاهم والتعاون في تكوين خبرة مشتركة بين القيادات الميدانية، فضلاً عن القيادات السياسية. فهذا ما عددناه، ومن الأرجح أن هناك ما هو أكثر، وكله مرصود من دول في داخل الإقليم وخارجه، وما يأتي به الرصد يدل دومًا على مصداقية متزايدة للردع أو للمواجهة إذا كانت حتمية.
لاحظ هنا أن طبيعة «رعد الشمال» تقوم على تشكيلات للقوة المسلحة، جرى تدريبها للتعامل مع مسرح عمليات بعينه، إذا ما حاول طرف إقليمي الاعتداء من الشرق إلى الغرب. هنا فإن المناورة تقطع بأن توازن القوى العسكري، فضلاً عن الاقتصادي والديموغرافي، ليس في صالح الطرف الآخر الذي لا يستطيع تحمل حرب تقليدية خارج حدوده. مثل هذه الحرب باتت غير مرجحة، ولكنها تفتح الباب لأنواع أخرى من الحروب، يتماس فيها الخطر الإيراني مع الخطر الإرهابي بقصد أو بغير قصد. وبالتأكيد فإن خلخلة العراق لم تكن صدفة، ولا تدمير سوريا كان من عبث الأقدار، وشق الصف اللبناني عن طريق «حزب الله» محض التقاء في المصالح، وتشجيع الحوثيين في اليمن مجرد تلاقٍ بين أنصار المذهب الشيعي. كل ذلك جزء من خطط دولة تعمل على إعادة تركيب منطقة، ليس بالطريقة التي تحقق مصالح إيران فحسب، وإنما بالطريقة التي تكفل سيطرتها عليها.
«رعد الشمال» أجابت بالنفي على السؤال، عما إذا كانت إيران تستطيع التدخل العسكري في دول الخليج، أو أي من الدول المشاركة في المناورات. ولكن، ومع ذلك، فإن الخطر يظل مفتوحًا سواء باستخدام عناصر محلية، أو تحقيق اختراقات لعناصر من «الحرس الثوري» أو ميليشيات «الحشد الشعبي»، أو تبني ثورات أحيانًا، وثورات مضادة في أحيان أخرى. وفي وقت زعمت إيران أن ثورات «الربيع العربي» ما هي إلا امتداد للثورة الإيرانية؛ وفي أوقات أخرى كانت في مقدمة الصفوف لإجهاض ثورة الشعب السوري. مثل هذه الجبهة من الخطر تحتاج إلى أشكال أخرى من «رعد الشمال»، تقوم من ناحية على «إرهاب الإرهابيين» كما ذكرنا في مقال سابق، وعلى ردع إيران من التدخل في شؤون الدول العربية. وهذا أمر لا بد أن المخططين الاستراتيجيين في الدول المشاركة في المناورة قد تناولوه بشكل أو آخر.
ما يهمنا هنا هو أن «رعد الشمال» هو تجسيد لمنظومة استراتيجية، أخذت شكلاً كلاسيكيًا في هذه المناورة، ولكنها تفتح الباب لأشكال غير كلاسيكية تتماشى مع نوعيات الأخطار القائمة. مثل ذلك يحتاج إلى توافق سياسي، وبصراحة، فإن فاعلية الاستراتيجيات المختلفة لا يمكن أن تحقق أقصى عوائدها، بينما يوجد شرخ في العلاقات بين مصر من ناحية، وكل من تركيا وقطر من ناحية أخرى. ودون الدخول في تفاصيل وجروح كثيرة، فإن الهدف الذي يجب ألا يحيد عنه أحد، فهو الفوز والانتصار في مواجهة تهديدات مميتة. كذلك فإن التحالفات تزداد فعاليتها عندما لا تتبنى بعض من دولها، معارضة طرف أو أطراف في التحالف. إن تسوية بين الطرفين ممكنة إذا ما قررت أنقرة والدوحة أن الحكم في مصر شرعيته مستمدة من الشعب المصري؛ بقدر ما تعرف القاهرة أن الحكم في الدوحة مستمد من الشعب القطري، ومثله كذلك الحكم في تركيا. لقد آن أوان إغلاق كافة أشكال معارضة الإخوان، وعودة العلاقات الطبيعية بين الجانبين، لأن ما يجري في المنطقة أكثر أهمية وخطورة.
8:20 دقيقه
TT
«رعد الشمال»
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
