ما أكثر العِبَر وأقلَّ الاعتبار

ما أكثر العِبَر وأقلَّ الاعتبار

الاثنين - 22 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 01 فبراير 2016 مـ رقم العدد [13579]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

كانت علاقات إيران مع أكثرية دول العالم باهتة، ومع جيرانها الخليجيين متوترة، ومع مصر معلَّقة لا هي تسوء أكثر ولا هي تتحسن قليلاً.
ومن ثم تطور التوتر والبهتان إلى ما هو أخطر بكثير، حيث إن النظام الإيراني انشطر بين غلاة التشدد المتمسكين بـ«المشروع الثوري»، ونواة الإصلاحيين الذين يريدون تهدئة للجموح على أنواعه، تصطلح في ظل الأخذ بها أمور كثيرة مع دول العالم التي باتت أكثر حذرًا في تعاطيها مع إيران، ودول الخليج التي بات التدخل التفجيري بين «صولة ثورية» وأخرى في بعض مناطق منها، يجعلها أكثر خشية من حصول ما هو أعظم. وعندما تجاوزت إيران من خلال الجناح المتشدد الأصول، وجعلت من اليمن هدفًا لإقلاق السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي عمومًا، فإن النيات تكشفت، وبات الغرض واضحًا، أي تحويل اليمن إلى ساحة من نوعية الساحة اللبنانية حيث، وحتى إشعار آخر، تبدو الكلمة الأساس فيها للطيف المحلِّق في الفضاء الإيراني. وساعدها على ذلك أن الحوثي الابن مثيل حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، وأن الرئيس السابق علي عبد الله صالح هو مثيل العماد ميشال عون؛ كلاهما من الجنرالات المتفوقين سياسيًا أكثر من التفوق عسكريًا، مع فارق أن الرئيس السابق صالح ذاق طعم الحُكْم واستعذب طوال ثلاثة عقود حلاوة السلطة، وكان يخطط للتوريث اقتباسًا للصيغة الأسدية في سوريا التي تحققت، والصيغة التي يقال إنها تعثرت في مصر، وتسببت ليس فقط في طي صفحة نظام شاخ، وإنما في انتقال الرئيس حسني مبارك من القصر إلى السجن. وعندما لم يقتنع علي عبد الله صالح ولم يأخذ بالتسوية الكريمة التي صاغها القادة الخليجيون له، فإنه، كما العماد ميشال عون التواق إلى تذوُّق حلاوة السلطة، ومن أجل ذلك أبرم تحالفًا مع حزب الله، انخرط في حلف تدميري مع الحوثية الجاهزة والمجهَّزة من إيران.
التسلط الجزئي على اليمن كما الإصرار على التسلط الكامل على لبنان والتسلط على سوريا النظام، كانت بضاعة أرادت إيران الخامنئية تسويقها في «البازار» الدولي، أي بما معناه أن تبقى اليد الإيرانية ضاغطة ما استطاعت بشتى الوسائل على الأوضاع في الدول الثلاث؛ لبنان، وسوريا، واليمن، ومعها العراق. ولا تتوقف عن إرباك مَن في استطاعتها إرباكهم من دول الخليج، مثل البحرين التي في اعتقاد المشروع الإيراني أنها الباب الثاني إلى السعودية. أما الباب الأول، فإنه اليمن الذي منه تقتحم الجحافل الحوثية - الصالحية الحدود، وتلاقيها الجحافل العراقية، الإيرانية الهوى، من الباب الثالث، وفي ظن راسمي هذه «الغزوات» المتخيل حدوثها أن الأمور بهذه البساطة، وأن القلعة من دون حرَّاس.
ما نريد قوله هو أن رفْع العقوبات عن إيران تم على أنقاض تساقُط سوريا تدميرًا وتهجيرًا واحتلالات أجنبية جوية وأرضية، وعلى ركام إسقاط لبنان في أزمة تلو أزمات؛ أحدثها وأكثرها خطورة ما يتعلق بتعطيل انتخاب رئيس للجمهورية، وتلاعُب بالقضاء استنادًا إلى اجتهادات غير محترَمة، فضلاً عن تراجُع مخيف للوضع الاقتصادي والمعيشي والاستثماري في بلد كان في الزمن الذي مضى هادئ البال مرغوبة فيه السياحة والاستثمار، إلى أن طغى منطق الوجود المسلح على العيش المشترَك وعلى قاعدة التوافق في أبعد حدوده. كما أن رفْع العقوبات تم على مواصلة الإمساك بالقرار السياسي والمكسب المالي والاقتصادي في العراق الذي قدَّمه العم سام على طبق من الاجتثاث وإلغاء الجيش العريق والتهميش لمن هم ليسوا شيعة، للعيون الإيرانية الجاحظة على بلاد الرافديْن والأفواه الفاغرة للالتهام والتي أمعن أصحابها ثأرًا غير شجاع من الحرب الصدَّامية التي نالت من مهابة آية الله الخميني.
الآن، وقد تم رفْع العقوبات من جهة وفرْض عقوبات مشروطة من جهة ثانية، يصح القول إن أربع دول عربية دفعت مضطرة ثمن هذه الصفقة التي تمت وهذا الابتهاج الشعبي، فالانشراح الذي حدث من جانب الذين يأملون بأن يتجدد نمو ريش أجنحتهم، التي نتفها على مدى سنوات رموز «الاستكبار الثوري» في النظام الإيراني. وقد يخطر في بال الذين رفرفوا طويلاً في الفضاء الخميني – الخامنئي، أنهم سينالون من المكسب الإيراني تعويضات عما بذلوه من تضحيات في سنوات القطيعة، ولكن هيهات من إيران هذا التعويض، ذلك أن الأموال التي سيتم الإفراج عنها ستجيَّر، وبأسرع مما يتصور الجميع، لتسديد أثمان صفقات على أنواعها، وتعويضات جاهزة سلفًا الأرقام والقوائم والوثائق والأسماء في شأنها.
وأما سياسة إيران ما قبل التعويضات، فإنها لن تكون فقط مقبولة بعد الآن، وإنما غير مقنعة. كما أن هامش التطاول الكلامي من دون مراعاة للأصول وللقامات والمقامات، سيصطدم بقائمة المحاذير، وسيضيق تبعًا لذلك «التعالي الثوري»، ويصبح الكلام عن «الشيطان الأكبر» أميركا، وتهديد إسرائيل بالفناء، والتلويح بالصواريخ البعيدة المدى، أوراقًا مطوية من مستلزمات الزمن الذي مضى.. وكان درسًا برسم مَن يعتبر فيتعظ، عملاً بقاعدة أوجزها الإمام علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) بعبارة: «ما أكثر العِبَر وأقلَّ الاعتبار».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو