التوافق الخليجي.. بين الواقع والمأمول

التوافق الخليجي.. بين الواقع والمأمول

الخميس - 11 جمادى الأولى 1435 هـ - 13 مارس 2014 مـ رقم العدد [12889]

لا يختلف أحد مع حقيقة أن أهل قطر ودولة قطر يمثلون جزءا مهما وغاليا من العائلة الخليجية، ولا أحد يختلف مع حقيقة أنه لا توجد عائلة تخلو من تضارب الآراء والمواقف بين أبنائها، ولكن في الوقت نفسه يجب الإقرار بأن التعامل ضمن العائلة الواحدة له قواعد وأصول تفترض على الجميع احترامها، وأن هناك واجبات والتزامات يجب أخذها بعين الاعتبار، وأن هناك منافع متعددة في المحافظة على وحدة العائلة وتماسكها أمام التحديات والتهديدات الخارجية التي تشكل تهديدا لأمن واستقرار البيت الخليجي ككل. وهذه قضية لا يمكن الانفراد بها لكونها قضية مصير تمس أمن وسلامة الجميع، وانطلاقا من هذه الخلفية جاء قرار المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، بسحب سفراء الدول الثلاث من دولة قطر ليعبر عن موقف دبلوماسي يعكس حالة من الاستياء طبقا للأعراف الدبلوماسية من العواصم الثلاث تجاه الدوحة، وهو رسالة عتب ولا يحمل أي بعد عقابي.
وهذا القرار الذي لم نكن نتمناه ليس بغريب في العلاقات الدولية حتى بين الدول التي تشترك في تكتل واحد أو في ظل حالة من حالات الاتحاد، لأن لكل دولة سياستها الخاصة التي قد تختلف مع بقية دول التكتل أو الاتحاد، وليس سرا أن يكون هذا القرار لم يشكل مفاجأة للمتابعين للشأن الخليجي ولمن يعرفون ما كان يدور في أروقة السياسة الخليجية خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة، أي إثر اندلاع ما يُعرف بثورات الربيع العربي التي شهدتها بعض الدول العربية بعد أن ظل مجلس التعاون صامدا في وجه الأمواج العاتية التي ضربت المنطقة ولا سيما في العقود الثلاثة الأخيرة التي شهدت حروبا ضارية وأحداثا جسيمة، فقد أثبتت دول الخليج قدرة فائقة على التعاون والتنسيق لتجاوز الأزمات منذ اندلاع حرب الخليج الأولى، وقيام مجلس التعاون الخليجي كمنظومة ناجحة، ثم استطاعت دول المجلس أن تتجاوز أخطر أزمة واجهتها في حرب الخليج الثانية عندما اجتاحت قوات صدام حسين دولة عضوا في مجلس التعاون الخليجي وهي دولة الكويت وما ترتب على ذلك من إزالة آثار هذا العدوان الغاشم وتحرير دولة الكويت الشقيقة، وكان الاختبار التالي في اجتياح القوات الأميركية والدولية للعراق وإسقاط نظام صدام حسين عام 2003، مرورا بأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وتداعياتها، وأحداث القضية الفلسطينية، وتطورات الحرب في أفغانستان، وتذبذب أسعار النفط، والموجات الإرهابية التي ضربت الكثير من دول المنطقة.
فرغم هذه الأحداث الجسام نجحت دول الخليج في تجاوز الأزمات بفضل حكمة الزعماء، وتلاحم الشعوب، وتوحيد المواقف والقرارات، رغم أن هذا الوفاق أو الاتفاق الخليجي لا يروق لكثير من القوى الدولية والإقليمية التي تريد أن تتدخل في الشأن الخليجي.
في المرحلة الحالية، تواجه دول الخليج تحديات من نوع آخر لا تقل خطورة عن التحديات التي عصفت بالمنطقة من قبل، فدول الخليج مستهدفة في أمنها واستقرارها واستقلالها، وعلى الرغم من ذلك ومنذ فترة وخاصة بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي راهنت حكومة قطر على بزوغ نجم جماعات الإسلام السياسي، وأرادت أن تحجز لها مقعدا بين هذه الجماعات لذلك ساندتها بالدعم متعدد الأشكال سواء الدعم المالي، أو الإعلامي، أو بالإيواء وتوفير الملاذ الآمن لأعضاء من هذه الجماعات الذين وجهوا سهامهم إلى صدور دول الخليج والدول العربية الشقيقة من دون مبرر ومن دون سبب مقنع يقود إلى أن تسمح قطر بذلك أو تتبناه بشكل معلن ومن دون مواربة أو يجعلها تغرد خارج سربها الخليجي الذي يؤمن بسياسة حُسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الآخرين وعدم السماح للآخرين بالتدخل في شؤون دولهم. وللحقيقة كانت هناك رسائل كثيرة للفت انتباه الدوحة إلى خطورة هذه الممارسات التي تزج بقطر ودول الخليج في أتون خلافات غير محمودة العواقب، ولا تحقق مكاسب إلا خدمة أهداف ومخططات دول إقليمية أخرى، وتزيد شقة الخلاف بين مجموعة الدول المتجانسة وذات المصير المشترك. فالعلاقات الأخوية تنطلق من التاريخ المشترك، والمصير الواحد، ومصالح الشعب الخليجي الواحد.
وإدراكا من دول الخليج لخطورة الظرف الزمني، وللمخططات التي تستهدفها، ولما يحاك لها، فقد كانت هناك محاولات متكررة لرأب الصدع وترتيب البيت الخليجي بهدوء ولعل آخرها ما قام به أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح من محاولات أخوية صادقة لإقناع قطر بالتخلي عن سياستها التي تضر بدول مجلس التعاون الخليجي وتعرض أمنها للخطر، وكذلك التأثير السلبي على العمل العربي المشترك والانحياز إلى جماعات الإسلام السياسي التي عزلتها شعوبها واعتبرتها جماعات إرهابية، لكن قطر استمرت في نهجها، وللأسف لم تتجاوب وظلت في توجهها الذي يعيق العمل الخليجي ويعطل التنسيق السياسي والأمني ويسمح للآخرين باستغلال ذلك للتدخل في شؤوننا الداخلية.
لذا جاء البيان الذي صدر عن الدول الثلاث وتضمن سحب السفراء من الدوحة يحمل مرارة واضحة بعد استنفاد كل المحاولات الودية، وركز هذا البيان على عدة قضايا مثلت الخرق الواضح لثوابت العلاقات الخليجية وخرق ميثاق مجلس التعاون الخليجي، وتمثل ذلك في رفض الدوحة التوقيع على ميثاق الرياض، وتدخل الدوحة في الشأن الداخلي لدول الخليج الأخرى، ودعم أطراف تهدد أمن الدول الخليجية، ودعم التوجه الإعلامي المعادي لدول الخليج.
ومع ذلك نأمل أن تعي دولة قطر الدرس وتتجاوز هذه الأزمة الدبلوماسية وتعود إلى محيطها لتكون عامل استقرار وبناء بين شقيقاتها تحت مظلة مجلس التعاون الذي يسعى إلى أن يتحول إلى اتحاد، وأن تغلق الدوحة ملفات الاختلاف وتفتح صفحات الوفاق، وأن تكون قطر حلقة وصل للتقارب العربي وليس لتفريقه وتشتيته، وأن تلتزم بالأعراف الخليجية في عدم التدخل في شؤون الآخرين، وألا تسمح للآخرين بالتدخل في شؤون دول الخليج، وتحترم إرادة الشعوب في اختيار حكوماتها وأنظمتها، بدلا من محاولة فرض واقع جديد.
ما يجب قوله هنا إن تحالفات دول مجلس التعاون، خارج إطار منظومة المجلس مع دول أو جماعات، لا تعد أمرا مرفوضا أو مضرا، وهو حق سيادي لجميع دول المجلس ومن ضمنها دولة قطر، ولكن يجب الإدراك أن هذه التحالفات يجب ألا تكون على حساب المصالح الحيوية، أو على حساب أمن واستقرار دول المجلس الأخرى، ويجب ألا تكون بديلا عن علاقات جيدة ومتوازنة ضمن البيت الخليجي، ولا يمكن أن تكون وسيلة استقواء على البيت الخليجي، ولا وسيلة لزعزعة الثقة ضمن البيت الخليجي.
لذا فإن ما هو متوقع من القيادة في دولة قطر الشقيقة أن تعيد النظر في أولوياتها، آخذة بعين الاعتبار كون الأمن والاستقرار الخليجي «كلا لا يتجزأ» وغير قابل للمساومات، وكون التحالفات الخارجية لا تعدو عن كونها وسيلة مؤقتة وأسلوبا تكتيكيا، يجب ألا يعلو على المصالح الخليجية العليا ذات الطبيعة الاستراتيجية.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة