نقرأ حكاية الصاغ والي في مذكرات الدكتور سيد عويس (1913 - 1989)، الذي كان عميدًا لعلماء الاجتماع العرب. وفيها يخبرنا أن الصاغ، على الرغم من رتبته المنخفضة، شغل وظيفة كاتم أسرار وزارة الداخلية في مصر. وكان عويس يجلس بجانبه في غرفة مكتبه ويرى أصحاب رتبة اللواء يدخلون ويؤدون له التحية العسكرية. ثم حدث، ذات يوم، أن سافر الصاغ والي في مهمة رسمية إلى اليابان، وخرج عشرات المنافقين لتوديعه في المطار، في أثناء غيابه عينت الوزارة شخصًا آخر في مكانه، وعاد إلى القاهرة فلم يجد أحدًا يستقبله في المطار ولا سيارة تنقله.
حكاية عادية بسيطة، على الرغم من رمزيتها، شاهد أغلبنا ما يشبهها هنا أو هناك. لكن ما هو غير عادي أنها خرجت من بساطتها وصارت ظاهرة. وقد عشنا ورأينا أربعة رؤساء عرب يطيرون من فوق كراسيهم في فترة زمنية متقاربة، كما يقذف الطيار المحترف بنفسه بالمظلة من طائرته المحترقة. فبين ليلة وضحاها حدث لكل واحد منهم ما حدث للصاغ والي يوم عاد من اليابان. والحناجر التي بُحّت وهي تهتف «بالروح بالدم ...»، اجتهدت وابتكرت هتافات أخرى. ورحم الله ذاك الذي قال إننا ظاهرة صوتية، أقوى ما فينا الحنجرة التي تشتغل بهمّة وتغلب العقل. إن ذلك الهتاف التقليدي المرعب صار، اليوم، سخيفًا وموضة قديمة، طالما أن الأرواح تُختطف والدماء تجري بسيولة أكبر، من دون مخلوع.
ليس النفاق هو الصفة الوحيدة التي تدفع الهتّافين إلى التنكر للممدوح السابق والالتفاف حول الممدوح الجديد. بل قلة الحياء التي خصص لها الأديب محمد المخزنجي مقالاً فذًا في «المصري اليوم». يقول إنه استيقظ، ذات صباح، على صوت في الشارع يردد أغنية جميلة لعبد الحليم حافظ، بعد أن تلاعب بكلماتها العاطفية الرقيقة وحولها إلى معانٍ فاضحة وخادشة لـ«الحيا». ولما أطل الكاتب من نافذته في حي تشغله عدة مدارس رسمية خاصة وقنصلية أجنبية وأربع سفارات، وجد أن المغني الماجن ورفاقه الذين كانوا يرددون الكلمات وراءه فتصل أصواتهم إلى البيوت، هم من تلاميذ المدرسة الإعدادية القريبة.
لم تعد السفاهة والعنف والتحرش بالنساء مشكلات داخلية تكشفها الصحف عندنا، أو يجري التعتيم عليها، بل أخذها بعضهم إلى بلاد الهجرات واللجوء. وكنت أعرف، في السابق، منفيين ومهاجرين حرصوا على أن يدسوا في حقائب السفر كتابًا مقدسًا أو قاموسًا أو ديوان شعر عزيزًا عليهم. واليوم يأتي من تطبع بأخلاق زمن التزييف والكبت والتخويف. هل للرومانسية والعندليب الأسمر والحب مكان في زمن الكوليرا؟ إن هذه ليست مرافعة دفاعية عنهم، بل مرثية للمجتمعات التي كان فيها الاحترام قيمة يتعلمها الصغار في البيوت، قبل سن المدرسة. كما أنني لا أدافع عن أولئك الذين يسوقون الأدباء إلى المحاكم بتهمة «خدش الحياء العام»، فالحياء «المخدوش» في الروايات مسألة فيها نظر ويحتمل الأخذ والرد. ذلك أن ما نطالعه في الكتب يبقى أدبًا رفيعًا قياسًا بما يجري من قلة أدب، لا في الشوارع فحسب، بل الدوائر والمستشفيات والفضائيات وحتى صروح العلم والأماكن التي يُفترض أنها للعبادة.
في ندوة له بأتيلييه القاهرة، اشتكى الدكتور سيد عويس من القيم «غير الحميدة» التي جاء بها الانفتاح الاستهلاكي في مصر. قال: «صار النفاق والجري وراء المظاهر من قيم المرحلة. أما الشباب الذي لا يشارك في صنع القرار ولا في تنفيذه فقد وجد ضالته في التطرف. وهو ليس التطرف الديني فحسب، بل الاجتماعي والسياسي. ولهذا ترتفع معدلات الانحراف والجريمة». إن عمر هذا الكلام ثلاثون سنة. وما زال الصاغ والي يسافر إلى اليابان وهو يتصور أن منصبه دائم أبدًا.
11:9 دقيقه
TT
عودة الصاغ والي من اليابان
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
