سوريا: التجويع في خدمة السياسة

سوريا: التجويع في خدمة السياسة

الأحد - 29 شهر ربيع الأول 1437 هـ - 10 يناير 2016 مـ رقم العدد [13557]
إياد أبو شقرا
كاتب صحافيّ ومحلّل سياسيّ وباحث في التّاريخ، يعمل في صحيفة الشّرق الأوسط منذ تأسيسها
تشرّفت في حياتي بالتعرّف إلى رجلين استثنائيين كل منهما رحل عن عالمنا حاملاً في قلبه عشقًا لا يموت لدمشق، هما أستاذي ومعلمي الراحل البروفسور يوسف إيبش، والشاعر الكبير نزار قباني.
أشعار نزار في دمشق طبّقت شهرتها الخافقين، أما حبّ «الدكتور يوسف» - كما كان يسعده أن أناديه - لدمشق فما كان يدرك عمقه إلا من عرفه عن كثب، واكتسب من غزير علمه وثقافته وذائقته الفنية المدهشة.
الدكتور يوسف شرح لي ذات يوم: «لا توجد مدينة في الدنيا أهّلتها الطبيعة لتكون حاضرة مثل دمشق، ولذا غدت أقدم مدن العالم. فهي تقوم وسط واحة (الغوطة) الغنّاء التي يسقيها نهران ينبعان من منحدرات جبال لبنان الشرقية، هما برَدى (قرب مدينة الزبداني) والأعوَج (من جبل الشيخ)، ويصبّان في بحيرتين تتموضّعان شرقيها هما العتيبة والهيجانة. ثم إن ما يساهم في خضرة (الغوطة) ومناخها الطيب أنها تتلقى الرياح الغربية عبر المنخفض الفاصل بين كتلتي جبال لبنان الشرقية، أي جبال القلمون شمالاً وجبل الشيخ جنوبًا. وإلى الشرق تمتد بادية الشام لتحمي ظهر دمشق و(غوطتها) وتجعل منها حاضرة منيعة عصية على الغزاة. أما بالنسبة للجهتين الشمالية والجنوبية فتسيطر دمشق على طريق القوافل التاريخية التي تربط شبه الجزيرة العربية ومصر بما فيها (طريق البخور) بحلب فهضبة الأناضول، ومن ثم أوروبا وآسيا الوسطى شمالاً متصلة بطريق تجاري عالمي آخر هو (طريق الحرير)...». وتابع: «مدن كثيرة في العالم كان يمكن أن تقوم في مكانها الأصلي أو على بعد مئات الأميال منه، لكن لا بد بحكم الطبيعة والبيئة أن تقوم مدينة في موقع دمشق الفريد».
اليوم، ربما لأول مرة منذ الغزو المغولي لدمشق عام 1400/ 1401م تتعرّض دمشق ومحيطها لتهديد ديموغرافي يبدو أكثر فأكثر جزءًا من استراتيجية إقليمية ودولية ما عاد كثيرون يشكّكون بوجودها. والمشاهد المؤلمة التي ينقلها الإعلام لمآسي بلدات منطقة وادي بردى، حصارًا وقنصًا وتجويعًا، ناجمة عن سياسة مدروسة تنفذ بقوة السلاح الشرعي والميليشياوي المحلي والإقليمي والدولي، وهي تكرّر سياسة تهجير سكان مدينة حمص لإبقاء الطريق مفتوحة بين دمشق ومنطقة الساحل السوري ذات الكثافة السكانية العلوية.
هذه البلدات، التي كانت ذات يوم من أجمل مصايف سوريا، تدفع اليوم ضريبة موقعها الجغرافي الذي يعطّل إنجاز خريطة التقسيم الموعود. وللعلم، فإن مخطط التقسيم يشمل أيضًا عملية تهجير أخرى تسير أيضًا بمباركة دولية في شمال شرقي سوريا. ولقد كان لافتًا السعي الإيراني لإنجاز عملية تبادل سكاني بين الكتلة السكانية السنيّة في وادي بردى والسكان الشيعة المحاصرين في «جيبي» نبّل والزهراء في محافظة حلب، والفوعة وكفريا - وربما الأقلية الشيعية في معرة مصرين - في محافظة إدلب. أما الفارق الأساسي بين حالتي الحصار اللتين يعاني منهما الجانبان أن «الجيبين» الشيعيين يحصلان على معظم ما يحتاجان إليه من مؤن عن طريق الجو بفضل سيطرة الطيران الحربي الروسي، ومن ثم تابعه طيران النظام، بينما تمنع بلدات وادي بردى من الحصول حتى على قوت أبنائها.
استراتيجية نظام دمشق قامت منذ البداية على أساس الهيمنة على كامل تراب سوريا، ولكن في حال تعذّر ذلك كانت «الخطة ب» جاهزة دائمًا. وهي الاكتفاء بما بات يُعرف بـ«سوريا المفيدة» في المناطق المأهولة الخصبة بغرب البلاد من حلب شمالاً إلى حوران جنوبًا. وترك مناطق البادية وحوض الفرات والجزيرة وشأنها.
حاليًا الميليشيات الانفصالية الكردية تخوض، بالفعل، معركة بناء «كيان» يمتد من الحدود المتهافتة بين شمال العراق وشمال شرقي سوريا وحتى «جيب» عفرين المتاخم للواء الإسكندرونة (إقليم هاتاي) التابع اليوم لتركيا. وتكتيكيًا على الأقل، لا يرى الانفصاليون الأكراد أي مصلحة لهم بقتال نظام لا يقاتلهم. بل على العكس، فإن النظام يجد نفسه لأسباب طائفية خاصة به وبداعمه الكبير نظام إيران يقاتل عدوهما التاريخي، أي الحكم التركي. وهكذا، من منطلق «عدوّ عدوّي صديقي» يتعاون النظام وعملاؤه المحليون مع الانفصاليين الأكراد، كونهم يهددون ليس فقط النظام التركي بل وحدة أراضي الكيان التركي نفسه.
بروز ظاهرة «داعش» أسقط كل الاعتبارات - أو بالأصح، الأقنعة - في اللعبة الدولية، وتحوّلت الأولويات الغربية المعلنة من ضرورة تغيير النظام في دمشق إلى تبني شعاراته عن «مكافحة الإرهاب» (السنّي، طبعًا). ومع هذا التغير، حتى عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لم تشفع لها. فقد خذلتها واشنطن، أولاً، في الموضوع الكردي بعدما جعلت من قضية إنقاذ بلدة عين العرب (كوباني)، التابعة لمحافظة حلب، مسألة «مصيرية» بينما كانت مدينة حلب تُدكّ وتجوّع وتُهجّر. وخذلتها ثانيًا، في ربطها مصالحها المحوَرية بتعزيز مكانة النظام العراقي التابع لطهران، عبر الدعمين السياسي والعسكري، بعدما رفضت مرارًا إنشاء «ملاذات آمنة» و«مناطق حظر طيران» في شمال سوريا بحجة المخاطر والتكلفة العسكرية! ثم خذلتها للمرة الثالثة، بعد حادثة الطائرة الحربية الروسية التي أسقطتها تركيا إثر انتهاكها مجالها الجوّي.
المسألة واضحة إذن. وتقارير منظمات كـ«الشبكة السورية لحقوق الإنسان» وثّقت حقًا خلال عام 2015 بالتفاصيل مخطّطات «النزوح القسري» والتغيير الديموغرافي الحاصل في المناطق التي تسيطر عليها الميليشيات الكردية بالشمال السوري بعد تهجير السكان العرب منها في ريفي محافظتي الحسكة والرقة. وكذلك ثمة تقارير موثقة عمّا هو حاصل في حمص والمناطق المحيطة بها بعد تهجير سكان الأحياء السنّية من المدينة. وهذا من دون أن ننسى ألاعيب «الهُدنات» التي مورست على عدة مناطق بضواحي دمشق لقاء فك أسرها بعد ابتزازها بالتجويع والقنص والقصف.
إن تهجير بلدات وادي برَدى، ومنها مضايا والزبداني وبقّين وبلودان، خطوة مدروسة بدقة تهدف لتهجير المسلمين السنة من غرب دمشق ومبادلتهم بشيعة حلب وإدلب، وتحصين وجود النظام - ومن ثم، حضور إيران - بربط دمشق عبر المنطقة بلبنان الخاضع لسيطرة حزب الله.
من قال إن مأساة فلسطين كانت آخر مآسينا؟!

التعليقات

فاطمة محمد
البلد: 
قطر
10/01/2016 - 11:57

سياسة التجويع الشعب السوري أمر تستخدمه إيران وروسيا وحزب الله تعددت الموت والموت واحد موت عن طريق حصار المناطق وتجويع أهلها وعن طريق القصف والأسلحة المحرمة الكل سكت والمستغرب لبنان التي لا يبخل عنه الشعب السوري خاصة الجنوب التي أسكنهم الشعب السوري بيوتهم وعيونهم وكان العرفان هو القتل هذا هو الجميل وللأسف لبنان الرسمي والشعبي لا يتكلم أنه الخوف من حزب الله لا أنه النكران للجميل وقلة الوفاة أين هي الأنسانية

متعب الزبيلي
البلد: 
السعودية حفرالباطن
10/01/2016 - 19:44

من قال ان مأساة فلسطين كانت آخر مآسينا
ساابحث عنهُ وابحث وحين التقيه أقول يا انت
محاصرة احياء لا أكل ولا ماء ، تعطيش وتجويع
وقل لي من أشد خبث ، من احتل وعلى الاقل اعطى من احتلهُ هناك جزء مما احتل وقال أبقى هنا ، وأي خبث هذا ؟ ، حين يتفرج المتنفذ على إنسان يهلك ويهلك وتتهالك قواه ويسقط ويموت ، اي الطرفين هو ميت ، أليس من يتفرج ويلتذذ وهو يرى تسلسل تعطل إنسان وإنسان وقرية ومدن يموت أهلها امام أعين خبثاء ، فما أدهى
من هكذا مآساة ، حين تموت القلوب ولم تعد
تعي ولا تدرك ماتعنيه الرأفه ، والحنان هو بات
مفهوم ان يتفرج معشر الخبثاء على كيف تتساقط الأجساد ، وأي مأسآة تفوق حين تصبح الأنفس اللعوبه ، قل ياهذا ، واذهبنا لا أطيق روية محياك
الا انك تتعلم درجة المأسي وحينها قد اطيق واتناسى ماضيك حين كنت لاتدرك اي مأسآة
هي تفوق الاخرى

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة