الصراع على العرب صراعٌ على الدولة

الصراع على العرب صراعٌ على الدولة

الجمعة - 27 شهر ربيع الأول 1437 هـ - 08 يناير 2016 مـ رقم العدد [13555]
رضوان السيد
كاتب وأكاديميّ وسياسي لبناني وأستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة اللبنانية
أراد الإيرانيون منذ البداية أن يكونَ صراعُهُم مع العرب صراعًا دينيًا. قالوا إنهم هم الذين يمتلكون الزعامة في العالم الإسلامي، وإنهم هم الذين أوكل إليهم الدفاعُ عن الإسلام من خلال تبنّي قضاياه الكبرى وفي طليعتها قضية فلسطين. وقد انخدع بذلك كثيرون من العرب، لأن الشعار المرفوع كان: الموت لأميركا، الموت لإسرائيل.
بيد أنّ هذا الشعارَ سُرعان ما انكشف بعد أن شاركوا الأميركيين في الاستيلاء على العراق، وإشاعة القتل الطائفي والتهجير فيه. وفي الوقت نفسِه انكشف إيواؤهم لـ«القاعدة» لاستخدامها عربيًا، والاستيلاء على لبنان واغتيال قياداته السياسية والثقافية وأخيرًا التدخل العسكري في سوريا واليمن، والافتخار بأنهم استولوا أخيرًا على أربع عواصم عربية. وأقول إن شعاراتهم انكشفت، لأنهم هم أنفسهم انهمكوا في إقامة التنظيمات الطائفية المسلَّحة وغير المسلَّحة في سائر الدول العربية، بخاصة دول المشرق العربي والجزيرة. وهكذا، وعندما ما عاد نافعًا أو مجديًا استخدامُ الشعارات الإسلامية العامة، ما تردَّدوا في استخدام الشعارات والممارسات الطائفية. قال لنا حسن نصر الله وهو ذاهبٌ لمقاتلة الشعب السوري، إنه إنما يذهب لمقاتلة «التكفيريين» في القصير والقلمون وجوار دمشق ودرعا وحمص وحلب. وقال نصر الله للكوادر الذين ما تحمّسوا لمقاتلة الناس الذين عاشوا قرونًا بجوارهم: إن لم تقاتلوهم الآن فإنّ النجف وكربلاء وقم ستكونُ مهدَّدةً غدًا! في عام 2007 قال لي وزير سوداني إنّ الإيرانيين أقاموا بالسودان مراكزَ للتشييع. وقد قلنا لهم: لكنّ الدولة السودانية صديقةٌ لكم، ونحن جميعًا معكم، فما الحاجةُ إلى كسْب قلةٍ صغيرةٍ وتضييع تأييد الأكثرية لكم؟! وما شكا منه السودانيون شكا منه المصريون والمغاربة والسوريون والفلسطينيون والكويتيون، بل وسائر العرب، وبينهم شيعةٌ وسنة. شهدتُ قبل مدة نزاعًا بين يمنيين كلُّهم من أنصار الحوثي. قال أحدُهُم لزميله: نحن نشكر الجمهورية الإسلامية على دعمها لنا، لكنْ ما الحاجةُ لدى إيران، ما دمنا جميعًا معها الآن، لعمل دَورات لآلافٍ منا لتحويلهم إلى التشيُّع الإمامي أو الاثنى عشري؟ هل تعتقد يا أخي بالفعل أنّ مذهبهم أفضل أو أولى بالحقّ من مذهبنا؟! وما تردَّد زميلُه بالقول: نعم، إنه بالفعل مذهبُ أهل البيت حقًا، ولا دينَ غيره! وقال لي الكهل اليمني في ما بعد: متى تنتهي هذه الحربُ التي إنْ لم تنتهِ فسينتهي المذهب الزيدي؟! ولم أفهم في البداية، فتابع: لا أعني الإبادة، بل أعني التحول إلى الاثنى عشرية! وقلتُ مُجادلاً: كيف تريدُ لهذه الحرب أن تنتهي والحوثيون يحاولون كل يومٍ مهاجمة السعوديين في عُقْر دارهم رغم المحادثات والمفاوضات؟ وكيف تنتهي وأنتم مصرُّون على قتل إخوانكم في تعزّ وتجويعهم؟ وقال الرجل مترددًا: كلُّ هذه الحروب المُثارة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، هدفُها أولاً وأخيرًا محاصرة السعودية حتى لا يعودَ للعرب رأسٌ يفكّر ويُبادر، وإلاّ فقل لي: مَن الذي يُبادر إن لم تفعل السعودية؟ إذا انكفأت المملكة ضاع المشرق العربي، أو تحول إلى ساحاتٍ لحروبٍ استنزافيةٍ بين السنة والشيعة، ساعة باسم «داعش» أو «النصرة»، وساعة باسم «أبي الفضل العباس» أو «حزب الله»!
ما إن أعلن الغضبُ الإيراني عن نفسه عبر تصريح خامنئي حتى انطلقت الأبواق المذهبيةُ والطائفيةُ في العراق ولبنان. وبعد أن كان حسن روحاني قد أسِفَ لإحراق السفارة السعودية في طهران، والقنصلية في مشهد، سارع الرئيس المنتخَب والإصلاحي والمعتدل لعقد مؤتمر صحافي لعق من خلاله كلامه السابق، وزايَدَ على نصر الله في الهجوم على المملكة، متناسيًا إحراق السفارة والقنصلية وهو رئيس الدولة! أما العراقيون الذين مضى عليهم شهورٌ وهم يتظاهرون ضد الفساد (المالكي)، وضد الإدارة الإيرانية للبلاد ضمنيًا، فشاهدناهم وفي طليعتهم مقتدى الصدر (بعد المالكي طبعًا) وهم يتهددون المملكة والعرب جميعًا بالثبور وعظائم الأمور.
إنّ المقصود من هذا الاستعراض كلّه ليس التحريض، ولا حتى التذكير، بل المقصود تقرير واقع موجود سواء أكان حقيقيًا أو يوشك أن يكون كذلك. لقد نجحت إيران عبر عقدين وأكثر في ما لم ينجح فيه صدام حسين. أراد صدام خلال حربه مع إيران إعادة أسطورة «عرب/ عجم» أو «سنة/ شيعة»، وما قبض أحد منه لا هذا ولا ذاك. أما الإيرانيون فإنهم نجحوا في إثارة حربٍ دينيةٍ على العرب، تارةً باسم الإسلام، والآن باسم التشيُّع. وهي حربٌ تشاركهم فيها جماعاتٌ ذات أصول عربية في عدة بلدانٍ عربية وغير عربية. فالذين يحملون على السعودية من العرب ليسوا جميعًا من الغوغاء المذهبية التي انصرفت لهدْم المساجد، مثلما فعلت عامي 2006 و2007، ومثلما فعل النظام السوري طوال السنوات الماضية، ومثلما فعل «داعش» ويفعل، بل منهم من يعتبر نفسَه قوميًا ويساريًا، بل وبينهم بعثيون أشاوس كانوا من أنصار صدّام. وهؤلاء المذهبيون والطائفيون واليساريون والقوميون يُنافسون في كراهية السعودية داعشًا والمتطرفين الآخرين ذوي التسميات المتعددة. والدليل على أنّ المقصود من وراء السعودية العرب ودولهم وسيادتهم وما تبقّى لهم، أنّ كثرةً من هؤلاء وأمثالهم سبق لهم أن وقفوا الموقفَ نفسه من مصر عام 1967 بحجة أنّ اليساريين أو الإسلاميين هم الأقدرُ على تحرير فلسطين، تمامًا مثلما يزعم هؤلاء الآن أنّ إيران وليس العرب هم الأولى بتحرير فلسطين! ومن أين، وكيف؟ من طريق قتل الشعب السوري وتهجيره! ولدينا صحيفتان لبنانيتان ذهبتا، ويا للغرابة، إلى أن السعودية أولى بأن تُقاتَلَ من الصهيونية!
يقال إن الأمم تزدهر طاقاتُها في الأزمات الخانقة، وتزدهرُ طاقاتُها عندما يكونُ هناك مشروع. والأزمة خانقةٌ بالفعل. أما المشروع فهو حاضرٌ أيضًا، وإلاّ فليقل المتشككون والمتخاذلون، أي مشروعٍ أولى من الحفاظ على الأوطان وعلى الدول التي يتهددها الغزو والاختراق والخراب والحروب الأهلية؟ بالأمس حصلت للجيش العراقي انتكاساتٌ في الرمادي فلم يحرك أحد في بغداد ساكنًا، في حين هاج الجميع تطلبًا للثأر من السعودية! وبالأمس هجم «داعش» بليبيا محاولاً الاستيلاء على الهلال النفطي بالبلاد. وفي حين دافع الحراس عن الموانئ، أصرَّ المتقاتلون بالشرق وبالغرب على الحشد بعضهم ضد بعض، وضد المبعوث الدولي للمصالحة الوطنية، فعلى ماذا يتحشد هؤلاء إذا ضاعت البلاد؟!
إنّ هذا الشحن الطائفي والمذهبي الذي تقوده إيران، في الوقت الذي نصارع فيه نحن العرب الانشقاقات التي تتهدد ديننا ودولنا، يجعلنا أكثر إحساسا بالحاجة إلى التضامن، وبالحاجة إلى الدولة. فالدولة في كل مكان من العالم العربي هي مشروعُ الصمود والتصدي والنجاة. ودولة العرب الآن هي السعودية.

التعليقات

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
08/01/2016 - 06:12

استاذ رضوان السيد
الاسلام ببساطة شديدة وكما تعلمنا فى الكتاب ونحن اطفال صغار فى سن الرابعة من العمر بنى على خمس قواعد هى شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله , واقامة الصلاة , وايتاء الزكاة , وصوم رمضان , وحج البيت لمن استطاع اليه سيبلا , هذه هى القواعد التى اذا التزم بها الانسان فهو مسلم , والمسلم مطلوب منه ان يلتزم بكتاب الله وسنة رسولنا الكريم محمد صلوات الله وسلامه عليه , اذا فعلت هذا ايها المسلم فليس مطلوبا منك شيئا آخر لا مذهب ولا طائفة ولا يحزنون , فمسألة تعدد المذاهب والتقسيم الى طوائف هذا تزيد من خلق البشر وليس فى الاسلام , فليس مطلوبا من المسلم ان يعتنق مذهب معين او ان ينتمى الى طائفة معينة , ورسولنا الكريم كان خاتم الانبياء والمرسلين , وقد قال تعالى " اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا "

فؤاد نصر
البلد: 
مصر
08/01/2016 - 06:39

2- والله سبحانه وتعالى لم يعين احدا من البشر كوصى على الاسلام , ولم يطلب من احد ان يفرض الاسلام على غير المسلمين اليوم عنوة , بل قال فى كتابه العزيز لا اكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى , وقال ايضا فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر , وقال ايضا ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة , وقال كذلك ياايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا , واعتقد ان كلام الله عز وجل واضح تماما فهو سبحانه وتعالى لم يجعل الناس شعوبا وقبائل ليتناحروا وليتقاتلوا وانما ليتعارفوا ويتعاونوا ولتسود المحبة والود بينهم , كما انه يعفى اى انسان من ان ينصب نفسه راعيا ومدافعا عن الاسلام وداعيا للدخول فيه , فياليت الذين يدعون انهم يقتلون الابرياء فى كل مكان فى العالم انهم يدافعون عن الاسلام , ياليتهم يرجعون الى كتاب الله ليفهموه جيدا ويريحوا انفسهم

عصام هاشم
البلد: 
العراق
08/01/2016 - 07:31

السلام عليكم سيدي الفاضل سبب تمادي ايران هو تقاعس وخوف الدول العربية من المواجه مع ايران مع العلم تمتلك هذه الدول من مقومات بشرية واقتصادية وسياسية ما يمكنها من ايقافها عند حدها ولكن مع الاسف الشديد لحد هذه اللحظة لم تحك ساكن والله المستعان .

عبد الله محمد
البلد: 
المملكة العربية السعودية
08/01/2016 - 11:10

هؤلاء يا أستاذ ليسوا عرباً بل "مستعربين" تماماً مثل مستعربي إسرائيل، ألفناهم منذ زمن طويل بل وطويل جداً، هم ضد عرب الجزيرة على طول الخط، أكاد أجزم بأنه لو هاجمت إسرائيل السعودية لهللوا وصفقوا لإسرائيل وأيدوها، الأمر ليس بملكهم تماماً كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام بعد أن أضلهم السامري وحولهم من عبادة الله تعالى وحدة إلى عبادة تمثال عجل له خوار، كان في الأمر حكمة وفي أمر هؤلاء حكمة أيضاً، فكيف يمكن تصور وجود بل وبقاء إسرائيل فوق أرض العرب إلى هذا الوقت وطوال كل تلك العقود؟ الحكمة هي أن نهاية دولة إسرائيل لها وقت معين وإختص نفسه بإعطاء الإذن بها في قرآن يتلى ووصفه بـ "وعد الآخرة" فمن ذا الذي يتجرئ على الله بتقديم الوعد أو تأخيره؟ وجود أولئك أوجبه قدر الله أيضاً.

فاطمة محمد
البلد: 
قطر
08/01/2016 - 16:36

كلامك صحيح إيران زرعت الطائفية وشرت الفوضى في كل مكان ذهب للعراق لقتلت السنة وكذلك في سورية هذا التطهير العرقي إيران وجدت الساحة مفتوحة لها ولها المشروع مشروع التشيع الديني والسياسي والعرب لا مشروع لهم وصلنا إلى حافة الهاوية هل إيران ستسير بنا إلى الحرب السنية الشيعية على مستوى أكبر فالمشهد الأقليمي خطير يهدد بسقوط الخيارات الصعبة

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
09/01/2016 - 21:17

الدين في وآد،ودولة إيران في وآد آخر...وهل كل هذه الدماء والخراب لإرضاء الله سبحانه وتعالي؟دولة إيران وغير إيران يبحثون عن مصالحهم يا أستاذ رضوان،وليس هنا دولة في العالم تستطيع أن تمنح لأتباعها تذاكر مجانية لدخول الجنة.

Arbahim Qali
البلد: 
Sweden
09/01/2016 - 21:49

قال المفكر المغربي الكبير الراحل الدكتور محمد عابد الجابري ألسياسة هي التي دفعت الأمير الأموي خالد بن يزيد بن معاوية الي ان يكون أول من قام بترجمة علوم الأوائل والهدف الحصول علي "الصنعة"التي يتم بها تحويل المعادن الي ذهب وبالتالي الحصول علي المال الضروري لإستعادة الخلافة!!والسياسة هي التي دفعت عددا "الكوادر العلمية"العاملة في محيط الإمام الشيعي الأكبر جعفر الصادق الي القيام بدور أساسي في بناء النظرية الشيعية والتنظيم الباطني.وبعد ذلك سيأتي رد فعل الدولة العباسية مع المأمون الذي "وقف عليه"أرسطوا في المنام!..السياسة هي التي تدفع إيران الي خلط عجينة الدين بعجينة السياسة..ومن يريد أن يعرف المزيد فاليرجع الي مجلة المجلة العدد 1473

عرض الكل
عرض اقل

مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة