زاهي حواس
عالم آثار مصري وخبير متخصص بها، له اكتشافات أثرية كثيرة. شغل منصب وزير دولة لشؤون الآثار. متحصل على دبلوم في علم المصريات من جامعة القاهرة. نال درجة الماجستير في علم المصريات والآثار السورية الفلسطينية عام 1983، والدكتوراه في علم المصريات عام 1987. يكتب عموداً أسبوعياً في «الشرق الأوسط» حول الآثار في المنطقة.
TT

الفراعنة وعمليات التجميل

يفاجئنا عالم الفراعنة كل يوم بالجديد من الاكتشافات المثيرة والحقائق المذهلة. ومؤخرًا تأكد الفريق العلمي المصري لدراسة المومياوات الملكية، من أن الفراعنة لم يتقدموا فقط في علوم الطب والتشريح ولكن وصلوا إلى مراحل خطيرة من التقدم العلمي في أفرع الأجهزة التعويضية، وكذلك في طب التجميل وإصلاح التشوهات! بالطبع الموضوع لا يزال في حاجة ماسة إلى دراسات أخرى متخصصة، لكي تحدد لنا طبيعة ما كان يتم إجراؤه في الحياة وما كان يقوم به المحنط وقت إعداد جسد المتوفى للتحنيط. كان الكشف عن أطراف صناعية وأعضاء صناعية دقيقة الصنع وتلائم النسب التشريحية للعضو الحقيقي كشفًا مذهلاً.. حيث استطاع الفراعنة تعويض الشخص الذي أجريت له عمليات بتر بأطراف صناعية من الخشب والجلد تساعد على الحركة واتزان الجسم عند المشي بصورة كبيرة، وذلك حتى يمارس الإنسان حياته بشكل طبيعي.
أسعدنا الحظ بامتلاكنا لجهاز متقدم للأشعة المقطعية «Ct - Scan» يستطيع أخذ آلاف الصور المقطعية لكل جزء من المومياء دون أن يضطر أي من أعضاء الفريق إلى لمس المومياء أو فك لفائفها، وعلى سبيل المثال تم إجراء فحص شامل لمومياء الفرعون الذهبي ثلاث مرات منذ اكتشافها في نوفمبر (تشرين الثاني) 1922 على يد هيوارد كارتر وذلك باستخدام أشعة إكس (X - Ray)، وعلى الرغم من ذلك لم يكتشف أحد أن هناك عمليات تجميل أجريت على وجه الملك لكي يظهر في أحسن صورة بالعالم الآخر فتم حشو أجزاء من الوجه ببعض المواد الراتنجية التي وضعت تحت الجلد لكي تعطي المظهر الطبيعي للوجه، والغريب أن هذه العمليات تمت على يد جراحين مهرة وباستخدام ما يشبه الحقن أسفل الجلد كما هو متبع الآن في عمليات التجميل، ولا يمكن أن ترى جروحًا أو ثقوبًا في الوجه توحي بوجود عملية حقن أسفل الجلد منذ 3500 سنة.
ليست مومياء الملك توت عنخ آمون فقط هي التي أكدت وجود مثل هذه الجراحات التجميلية بل تم الكشف عنها أيضًا في مومياء يويا، حيث تم الكشف عن حقن تحت الجلد. ولم تقتصر عمليات التجميل عند الفراعنة عند هذا الحد بل إن الأدلة الأثرية تؤكد أن الفراعنة قاموا بعمليات تجميل وحقن لكف اليدين والذراعين والقدمين، وكان الهدف الحفاظ على المظهر الحيوي للجسد. كما قاموا أيضًا بعمليات تجميل للأنف، والأعين وحتى الجفون كان يتم التعامل معها بحرص ومهارة فائقة. ومن أعجب الاكتشافات أن المحنطين الفراعنة قاموا بحشو البلعوم في بعض المومياوات بالشكل الذي يحافظ على حيوية مظهر الرقبة والدليل على ذلك مومياء يويا، التي كشفت لنا الأشعة المقطعية وجود حشوات كتانية مغموسة بالزيوت الراتنجية بالبلعوم.
تتوالى الاكتشافات الأثرية التي تتم باستخدام التكنولوجيا الحديثة والتي يتم توظيفها بشكل مناسب يراعي مشكلات التعامل مع الأثر. وثبت بالدليل القاطع أن بمصر متخصصين على مستوى راق من العلم والمهنية لا يقل عن الأجنبي، بل يزيد.. وأذكر هنا الدكتورة سحر سليم التي قامت بعمل دراسات ممتازة على المومياوات واستطاعت أن تقدم لنا الكثير من المعلومات التي يكشف عنها للمرة الأولى. أعتقد أن ما توصلنا إليه من معلومات عن عمليات التجميل التي كانت تجرى للمومياوات ستقودنا إلى مجال أوسع يتم فيه معرفة أسرار الجمال الفرعوني، وما إذا كان الأحياء من المصريين القدماء قد عرفوا طريق جراح التجميل أم لا.