مشعل السديري
صحافي وكاتب سعودي ساخر، بدأ الكتابة في الصحف السعودية المحلية، ثم في صحيفة «الشرق الأوسط» اللندنية، تتميز كتاباته بالسخرية اللاذعة، ويكتب عموداً ثابتاً في «الشرق الأوسط».
TT

لا تصفق يا (حريمه)

جاء في كتاب (حمود التويجري) المعنون بـ«الإيضاح والتبيين» التالي:
ومن التشبه بأعداء الله تعالى، ما يفعله كثير من الجهّال من التصفيق في المجالس والمجامع عند رؤية ما يعجبهم من أفعال، وعند سماع ما يستحسنونه من الخطب والأشعار، وهذا التصفيق سخف ورعونة ومنكر.
كما أن ذلك الفعل إنما هو من خصائص النساء.
ويؤيده (العز بن عبد السلام) عندما يؤكد أن الرقص والتصفيق ما هما غير رعونة تشبه رعونة الإناث، لا يفعلهما إلاّ أرعن أو متصنع كذاب.
وقال الشيخ (ابن تيمية): ولما كان الغناء والتصفيق والضرب على الدف من عمل النساء، كان السلف يسمون من يفعل ذلك من الرجال (ديوث).
وقال (ابن القيم): الله سبحانه لم يشرّع التصفيق، وأمر بالعدول عنه إلى (التسبيح).
الواقع أنني بعد أن قرأت هذه الأقوال (الحكيمة) حتى (ارتج) عليّ، وغشى عقلي وقلبي حزن وخوف عظيم، وأخذت لا شعوريًا أعدد موبقاتي، وأتساءل عن كيفية التكفير عنها، خصوصًا عندما أتذكر أنني من أكثر عباد الله قفزًا وتصفيقًا طوال حياتي.
وما أكثر ما صفقت، لطفل بريء عندما يحجل على قدمه، أو لشاعر هز أرجاء المكان بأبياته، أو للاعب كرة سجل هدفًا بطريقة إعجازية، أو لراقصة لوذعية شاهدتها على شاشة التلفزيون دون أن أتوقع أو أقصد، بل إن الأمر وصل بي إلى الحد الذي أصفق فيه لنفسي أمام المرآة بطريقة (نرجسية)، عندما أحسن الحلاقة لذقني دون أن أجرح وجهي.
المشكلة التي ليس لها حل، هي كيفية السيطرة على كفّي، اللتين استمرأتا وأدمنتا على التصفيق؟! هل أقطعهما، أم أربطهما، أم ألبسهما قفازين كقفازات الملاكمة لكي لا تصدرا أصواتًا؟!
ثم كيف أوطن نفسي على (التسبيح) في مواقف هو منزه عنها؟!
وأنا بالمناسبة أسبح ربي آناء الليل وأطراف النهار عندما أفكر بعظمته في مواقف أشعر فيها بضعفي، فأين يتأتى لي ذلك وسط مواقف كلها هرج ومرج و(زمبليطه)؟!
المسألة ليست هينة، إنها في غاية الصعوبة، ويزداد عندي الإحباط، عندما أشاهد بعض المشايخ ممن فتح الله عليهم، الذين يسيطرون على مشاعرهم، ويظل الواحد منهم جامدًا في مكانه لا يتزحزح وكأنه صخرة الوادي، التي تحدث عنها (المتنبي)، فلا بيت شعر يخلب لبه، ولا صوت شجي يلوح رأسه، ولا جمال أخّاذ يطير عصافير عقله وقلبه (!!).
ونتيجة لتأثري هذا، فبالأمس القريب، نهرت من كان يجلس بجانبي عندما صفق منتشيًا لأداء أحد المطربين قائلاً له: اخرس لا تصفق يا (حريمه) – تصغير لكلمة (حرمة).