بين النيكوتين والقطران في تدخين السجائر

بين النيكوتين والقطران في تدخين السجائر

الجمعة - 26 ذو الحجة 1436 هـ - 09 أكتوبر 2015 مـ رقم العدد [13464]
د. حسن محمد صندقجي
طبيب وباحث سعودي في المجال الصحي

البحث عن وسائل للوقاية من الإصابة بالأمراض أو مكافحتها يتطلب طرق عدد متنوع من الأبواب، بعضها قد يكون من نفس الشيء المسبب للمشكلة الصحية. وقديمًا استفادت الأوساط الطبية من الميكروبات نفسها في إنتاج أنواع مختلفة من اللقاح للوقاية من الإصابة بأنواع من الأمراض الميكروبية المعدية. والتدخين أحد مسببات قائمة طويلة من الأمراض، وتحتاج جهود مكافحته والوقاية من أضراره دائمًا إلى تطوير.
وفي عام 1976، وضمن عبارة موجزة تختصر مشكلة التدخين وتعلق البعض بها، قال الدكتور مايكل راسل، أحد الباحثين المتميزين في مجال التبغ، إن «الناس يُدخنون ابتغاء الحصول على النيكوتين ولكنهم يموتون بسبب القطران». وهي عبارة توضح ثلاثة أمور مهمة، أولها أن ما يجذب جسم المُدخن للتعلق بعادة التدخين هو احتياجه إلى تزويد جسمه بهذه المادة وليس أي أمر آخر، والثاني أن النيكوتين ليس هو المادة الضارة كمادة تسبب بالسرطان وغيره من التداعيات التي تطال الشرايين القلبية والرئة وغيرهم، بل هي قائمة تُقدر بالآلاف من المواد الأخرى، والثالثة أن النظر إلى النيكوتين يجدر أن يكون ليس باعتباره المشكلة، بل يجدر أن يكون باعتباره وسيلة يُمكن أن توظف في الحل لتسهيل عملية الإقلاع عن التدخين لدى المُدخن نفسه. وفي حينه لم تُؤخذ تلك العبارة على محمل الجد رغم وضوحها وثبوت الكثير من مضامينها لاحقًا.
وبعد ثلاثين عامًا، في يونيو (حزيران) 2009، تم بالولايات المتحدة إقرار قانونية التوجه نحو خفض مستويات النيكوتين، بالنظر إليه كـ«عامل أولي للإدمان» (Primary Addictive Agent). وهو ما جعل من ضمن مهام إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA) توفير معلومات تتعلق بما هو الحد الذي أدنى منه لا يتسبب النيكوتين باعتماد الجسم الحصول عليه بتلقي مشتقات التبغ على هيئة تدخين أو غيره، وفي نفس الوقت حظر التشريع على إدارة الغذاء والدواء طلب خفض كمية النيكوتين إلى حد الصفر في أي من منتجات التبغ.
وقبل هذا، في عام 1998، صدر ما يُعرف بـ«عرض بينويتز وهينينغفيلد» لخفض النيكوتين، ويهدف إلى منع حصول حالة الاعتماد على النيكوتين (Nicotine – Dependence) بين الشباب ومساعدة المدخنين على الإقلاع عنه، وذلك بخفض كمية النيكوتين إلى ما بين 0.4، و0.5 ملغم لكل سيجارة، وهذه السجائر ذات الكمية المنخفضة من النيكوتين تختلف عن تلك نوعية تم إنتاجها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي التي تتضمن تصاميم يُمكن للمدخن الالتفاف حولها، مثل الثقوب الجانبية التي يُمكن للمدخن تغطيتها للحصول على كميات أعلى من النيكوتين حال تدخين السيجارة. وما كان مطلوبًا توفر دراسات تدعم جدوى هذا الخفض كوسيلة لا تتطلب من المدخن وقتًا طويلاً لتقلل رغبته في تدخين السجائر تلك، وبالتالي تسهيل احتمال إقلاعه لاحقًا عن التدخين وعدم مواجهة صعوبات في ذلك.
وضمن عدد أكتوبر (تشرين الأول) الحالي من مجلة «نيو إنغلاند» الطبية (New England Journal of Medicine)، نشر الباحثون من جامعة مينيسوتا نتائج دراستهم حول تأثير تحول المدخن نحو تدخين نوعية السجائر المنخفضة جدًا في محتواها من النيكوتين على تسهيل إقلاعهم عنه. وشملت الدراسة نحو 900 شخص من المدخنين الذين لا ينوون الإقلاع عن التدخين ولا رغبة لهم في ذلك، وتمت متابعتهم لمدة ستة أسابيع.
وبالمقارنة مع تدخين السجائر العادية، لاحظ الباحثون في نتائجهم أن ذلك أدى إلى تقليل عدد السجائر المعتاد تدخينها يوميًا إلى أقل من الثلث ورفع من احتمالات الإقلاع. وكانت أفضل النتائج بتدخينهم نوعية السجائر المحتوية على أقل من 0.4 ملغم لكل غرام من التبغ، أي أقل بنسبة 97 في المائة من كمية النيكوتين في السيجارة العادية، باعتبار أن السيجارة الواحدة تحتوي على نحو غرام واحد من فتات التبغ. وعلقت الدكتورة دورثي هاتسيكامي، الباحثة الرئيسة في الدراسة ومساعدة مدير مركز الوقاية من السرطان ومكافحته التابع لجامعة مينيسوتا، بالقول: «النيكوتين هي المادة المسببة للاعتماد على السجائر، وخلال العقدين الماضين أفاد بعض الباحثين بأن تقليل كمية النيكوتين من المحتمل أن يُسهل تخفيف الاعتماد على تدخين السجائر، والتبغ في السجائر الخفيفة (Light Cigarettes) يتضمن نفس الكمية من النيكوتين مثل السجائر العادية، ولكنها مصممة لمحاولة تقلل كمية النيكوتين التي يتلقاها المدخن من خلال تصميم مرشحات التهوية أو أنواع مختلفة من الورق، وهو ما يختلف تمامًا عن نوعية السجائر المنخفضة جدا في المحتوى من النيكوتين (Very - Low - Nicotine Cigarettes)». وأضافت قائلة: «السجائر الخفيفة فشلت في مساعدة المُدخن في الإقلاع عن التدخين لأن المُدخن يستطيع بأفعال متعددة الحصول على كمية النيكوتين المماثلة لما تحتويه السجائر العادية، عبر طريقة سحب الهواء وغيره، وهو ما لا يُمكن للمدخن فعله، مهما حاول، للحصول على تلك الكمية الأعلى من النيكوتين بتدخين نوعية السجائر المنخفضة جدًا في محتواها من النيكوتين».
وصحيح أن ثمة الكثير من الملاحظات على طريقة تصميم الدراسة وقراءة نتائجها، ولكنها تبقى مؤشرًا على احتمالات الاستفادة من تقليل المادة المسببة للاعتماد على تدخين السجائر كوسيلة لتسهيل الإقلاع عنها، وذلك إذا تم التقليل بطريقة لا يُمكن للمدخن تجاوزها. وفي نفس الوقت لا يزال من المبكر جدًا ولا يُمكن وصف هذه الطريقة في الإقلاع عن التدخين وسيلة مقنعة طبيًا ومعتمدة في النصيحة الطبية ضمن جهود مساعدة المدخن على ترك التدخين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة