سليمان جودة
رئيس تحرير صحيفة «الوفد» السابق. كاتب العمود اليومي «خط أحمر» في صحيفة «المصري اليوم» منذ صدورها في 2004. عضو هيئة التحكيم في «جائزة البحرين للصحافة». حاصل على خمس جوائز في الصحافة؛ من بينها: «جائزة مصطفى أمين». أصدر سبعة كتب؛ من بينها: «شيء لا نراه» عن فكرة الأمل في حياة الإنسان، و«غضب الشيخ» عن فكرة الخرافة في حياة الإنسان أيضاً.
TT

تفصيلتان في مشهد المحاكمة

عندما خضع الرئيس الأسبق حسني مبارك للمحاكمة في أعقاب ما سُمي الربيع العربي، بث الإعلام محاكمته على الهواء مباشرة إلى المتابعين في كل مكان، وظل في كل مراحل المحاكمة يصفها بأنها محاكمة القرن، ودخلت العدسات إلى قاعة المحكمة تمسحها في كل زاوية، وتفتش فيها عن تفاصيل التفاصيل.
وقد كانت محاكمته محاكمة قرن كما وصفها الإعلام، ولم يكن في الأمر أي نوع من المبالغة، لأنها كانت محاكمة غير مسبوقة في مصر على الأقل، ولم يكن المصريون الذين تابعوا إجراءات محاكمة رئيسهم السابق يتوقعون، أن ينتقل رئيس الجمهورية من القصر باتساعه إلى المحكمة على ضيقها. فإذا كان الرئيس الماثل أمام القاضي هو حسني مبارك الذي مكث في مقاعد السلطة ثلاثة عقود؛ فالأمر عندئذ يصبح أشد إثارة، وأدعى إلى أن تتَّجه إليه عيون الكاميرات من كل اتجاه.
شيء من هذا مع الفارق تستطيع أن تجده في محاكمة دونالد ترمب التي شدَّت انتباه العالم في كل الأنحاء، والتي حولت الاهتمام من كل قضية في أرجاء الأرض إلى نيويورك، حيث كان الرئيس السابق يقف أمام المدعي العام، وحيث بدا وكأنه أسد حبسوه في قفص.
من الممكن أن تكون لمحاكمة ترمب سابقة شبيهة في تاريخ بلاده، وهذا ما قيل في أثناء التغطيات الإعلامية المكثفة لمحاكمته، ولكن ما يميز موضوعه عن كل موضوع سبقه، أن الإعلام لم يكن من قبل بهذه السطوة، ولا كان بهذه القدرة على تحويل الحبة إلى قبة في أي قضية.
ويمكنك أن تقول إن الإعلام كان هو البطل في الموضوع، لا السياسة التي يقول بها الجمهوريون في واشنطن، ولا القانون الذي يقول به الديمقراطيون هناك؛ فالإعلام هو الذي ضبط مؤشر كل مشاهد في كل أرض على الشاشات التي استغرقتها أجواء المحاكمة، ولو أدار الإعلام عيونه عن نيويورك في يوم المحاكمة، ما كان هناك موضوع من أصله، وما كانت هناك في الأفق قضية ينشغل بها الناس، فتملأ عليهم حياتهم إلى هذا الحد الذي كان كل متابع يخشى معه أن تفوته تفصيلة من بين التفاصيل.
وتستطيع أن تقول في محاكمة ترمب ما تشاء، ويمكنك أن تجد الكثير الذي تقوله؛ لأن مشهدها لا يماثله إلا مشهد اقتحام أنصار الرئيس السابق جدران الكونغرس في السادس من يناير (كانون الثاني) 2021.
ومن المفارقات، أنه حين وجد نفسه بين يدي المدعي العام، قال إنه لا يصدق أن ما يحدث معه يحدث في الولايات المتحدة الأميركية، وهذه من المفارقات لأن المعنى نفسه قيل يوم اقتحام الكونغرس على أيدي أنصاره، فالذي لا يصدقه هو اليوم، وهو يقف في موقع المفعول به - إذا صح التعبير - لم يكن العالم كله يصدق ما يشبهه في مشهد الاقتحام المثير2021، عندما كان ترمب نفسه في موقع الفاعل، حتى ولو لم يكن قد حرّض مؤيديه يومها على أن يقوموا بعملية الاقتحام.
وبصرف النظر عن أبعاد القضية، وسواء كانت أبعاداً قانونية مجردة كما يقول الديمقراطيون، أم كانت سياسية يختلط فيها القانون مع السياسة كما يروّج الجمهوريون، فإنها تبدو في زاوية من زواياها ذات عائد إيجابي على صورة الولايات المتحدة لدى العالم في العموم.
تبدو القضية هكذا في ظني، حتى ولو كان السائد أو الشائع أن عائدها سلبي على الصورة نفسها الآن وفي المستقبل.
تبدو القضية كذلك في تفصيلتين من تفصيلاتها الكثيرة لأن مساحة الصخب غير العادي في الموضوع يجب ألا تحجب عنا ما لا بد أن نراه، وما لا بد أن نميزه وسط كل هذا السيل المتدفق من التفاصيل التي راح الإعلام يتغذى عليها وينتعش.
أولى التفصيلتين، أن لائحة التهم التي تلاحق الرجل في القضية إذا كانت تصل إلى 34 تهمة، فإن تهمة واحدة منها تقول لك إنها تستحق أن تتوقف أمامها، وأن تتأمل تكييفها القانوني من جانب المدعي العام، وحتى من جانب الذين كانوا يتابعونها من الأميركيين بالذات.
التهمة هي علاقته غير المشروعة بإحدى السيدات، ثم قيامه بدفع مبلغ من المال لها في مقابل أن تسكت عما بينهما، ولا تمشي به بين الناس.
ما يهمنا في الأمر هو التكييف القانوني للتهمة، وكيف أن الادعاء لم يطلب من الرئيس السابق المثول بين يديه، لأنه أقام علاقة مع امرأة، فالعلاقة في حد ذاتها لم تشغل الادعاء في شيء، ولا شغلت الجمهور الأميركي المتابع في شيء كذلك، لأن علاقة من هذا النوع تخص طرفيها ولا تخص سواهما، حتى ولو كان أحد الطرفين هو سيد البيت الأبيض السابق.
ما شغل الادعاء، وما شغل الرأي العام الأميركي من بعد الادعاء، هو أن ترمب دفع لها مالاً، وأن هذا المال كان من مال حملته الانتخابية، وقت أن خاض السباق إلى البيت الأبيض.
هنا التفصيلة، وهنا الوقفة، وهنا المضمون في الموضوع؛ لأنه لو دفع لها من جيبه الخاص، ما كان أحد سوف يهتم بالموضوع، وما كان الادعاء سوف يحرك القضية، وما كانت هناك قضية من أساسه، وكنا سنجد أنفسنا أمام رجل يقيم علاقة مع سيدة، وهذا بالتأكيد شأن شخصي، ثم كنا سنجد أنفسنا أمام مال مدفوع من جيبه، وهذا كذلك شأن يخصه؛ لأن الفلوس فلوسه وهو حر فيها، ولأن العلاقة علاقتهما في النهاية، ولا دخل لأحد بها لأنها لم تضر أحداً خارج دائرتها.
هنا التفصيلة، وهنا الوقفة، وهنا المضمون في الموضوع؛ لأنه موضوع يفرق بين العام والخاص في شأن المال، ولأنه يجعل نقل العام إلى الخاص، أو التعامل معه على أنه خاص هو مسألة تستوجب الحساب، وهو أمر يستدعي الذهاب بالفاعل إلى القضاء.
وهذا تحديداً ما يهمنا في القصة كلها، أو هذا ما يتعين أن يخصنا فيها، رغم ما بيننا وبين ملعبها من مسافات هناك على الشاطئ الآخر من الأطلنطي.
والتفصيلة الأخرى، أن الخلط بين المال العام والخاص لا يعفي صاحبه من المسؤولية، حتى لو كان هو الرئيس السابق الذي يكتسب حصانة بحكم عمله السابق، والذي قد يظن أن هذه الحصانة يمكن أن تعفيه أو تجعله يفلت من الحساب.
كان ترمب في مرحلة من مراحل التجهيز لاستدعائه يتحدث عن دهشته، ليس من اقتياده إلى المحكمة، ولكن من أن يتم ذلك معه رغم صفته السابقة التي يحملها، والتي تجعل أمنه مسؤولية جهاز الأمن الخاص في البيت الأبيض، فكأنه لم يكن يناقش في ذهابه للقضاء في حد ذاته، ولكنه كان يناقش في ذهابه رغم الصفة الرئاسية التي يحملها ويسعى بها في كل مكان.
ولكن استدعاءه جاء ليهمس في أُذنه، ثم ليقول للدنيا من حوله، إنه لو كان رجل الأعمال دونالد ترمب، لا الرئيس السابق ترمب، ما كان من الوارد أن يحدث هذا كله معه، وما كان أحد قد انشغل بعلاقة أقامها مع امرأة، ولا بشيء مارسه في حياته خروجاً على القانون.
هذه التفصيلة مع التفصيلة الأخرى، لا بد أن تكونا مما يضيف لدولة المؤسسات في الولايات المتحدة ولا ينال منها؛ لأنهما تقولان إن بلاد العم سام لم تصبح على ما وصلت إليه بالمقارنة مع سائر الأمم، إلا لأن خلط العام بالخاص فيها لا يمر، وإلا لأن حصانة الرئيس السابق لا تبعده عما يطول آحاد الناس.