صالح القلاب
كاتب اردني وزير اعلام ووزير ثقافة ووزير دولة سابق وعضو مجلس امناء المجموعة السّعوديّة للأبحاث والتّسويق
TT

ما الذي يريده الإيرانيون؟!

ما كان الإيرانيون بعد كُلِّ هذه التحولات التي كانت قد شهدتها بلادهم أنْ تصل الأمور إلى ما وصلت إليه وعلى هذا النحو عندما أصبح اسم إيران هذه، التي كانت تملأ الدنيا وهجاً، الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبالطبع فإنه قد أصبحت هناك حيرة فعلية وحقيقية بالنسبة لهوية هذه «الجمهورية».
وحيث إننا لو نظرنا إلى الأمور من خارج دائرة دولة الوليّ الفقيه (الايرانية)، لوجدنا أن الإسلام واحدٌ، وذلك مع أنه يحتضن فرقاً كثيرة... لها كل التقدير والاحترام... وأيضاً المحبة.
والمقصود هنا وخارج هذه المقدمة التي هي تحتاج لقارئة كفٍّ شاطرة لتكشف أسرارها، أن هذه البلاد، أي إيران «دولة الولي الفقيه»، قد شهدت ومنذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، موجة احتجاجات صاخبة إثر وفاة الشابة الكردية (الإيرانية) مهسا أميني.
أما لماذا وكيف توفيت... أو قتلت مهسا أميني هذه، فإنّ هذا قد حصل بعد عدة أيام من اعتقالها من قبل ما يسمّى شرطة الأخلاق، وأيُّ أخلاق؟ ولماذا يا ترى؟ لأنها قد انتهكت قواعد اللباس «الصارمة» في الجمهورية الإسلامية، أيْ دولة الولي الفقيه!
ثم يا ترى ما قواعد اللباس الصارمة للمرأة في «الجمهورية الإسلامية» أي دولة الولي الفقيه؟ وهل أنّ هناك قواعد لباس للرجل أيضاً يا ترى؟ وهل أنه على الرجل أن يلتزم اللباس الذي قرّره الولي الفقيه؟ ثم هل الشعب الإيراني يا ترى كله ملتزمٌ بأنْ يلبس كما يلبس الولي الفقيه؟ وأن يأكل كما يأكل الولي الفقيه؟!
ولعلَّ ما يدلُّ على أنّ هذه المسألة تشغل الشعب الإيراني العظيم حقاً كله، أنّ نجل شاه إيران الذي قد تمت إطاحته في عام 1979 أشار إلى وجود طيفٍ رماديٍ واسعٍ من المسؤولين الإيرانيين الذين يغريهم التغيير، ولكنهم يتردّدون في الوقت الحالي بالتعبير عن آرائهم علناً عما يريدونه ويسعون إليه.
إن الاحتجاجات الشعبية الإيرانية التي انتشرت كالنار في الهشيم داخل إيران، منذ سبتمبر الماضي وإن خفتت قليلاً، وتراجع وهجها مع حجم القمع والقتل الذي تعرض له الشباب الإيراني المنتفض، قد أسست للتغيير في إيران هذه، وقد يكون تراجع السلطات الإيرانية عن قصة الشرطة الأخلاقية أول هذا التغيير، لكن المطالب الشعبية الإيرانية أكثر من ذلك بكثير.
إنه من المعروف، بل والمؤكد أن الشباب الإيراني لم يعد قادراً على تحمل نظام الملالي والولي الفقيه، الذي لم يجلب على بلاده إلا الحصار والعزلة... وترك ثروات هذا البلد النفطي الكبيرة مجمدة ومهمشة لا يستفيد منها الشعب الإيراني العظيم حقاً، فيما راح يختلق المشاكل مع جيرانه، ويمد أنفه في كل بقعة عربية متدخلاً في شؤونها ومستعدياً شعوبها، ومشكلاً ميليشياته التي تلعب في سوريا ولبنان واليمن والعراق... وكل ذلك حقيقة على حساب مصالح الشعب الإيراني المسكين وحقه في حياة محترمة، وحق شبابه في مستقبل يستحقونه بعيداً عن الخوف والقمع وحكم الملالي.
لم تكن قصة مهسا أميني والاحتجاجات الواسعة التي تبعتها مجرد احتجاج فقط على اللباس الشرعي الذي يريدون فرضه على نساء إيران بالعصا والزجر، بل هي احتجاجات أعمق وأوسع مدى، وهي اعتراض ورفض لنهج نظام الولي الفقيه الذي ترك إيران تعاني عقوبات اقتصادية خانقة تحت شعارات واهمة وكاذبة، وأدخلها في خلافات وصراعات مع محيطها بل مع العالم أجمع... وقضى على طموحات شبابها وترك مستقبلهم غامضاً لا بد من الثورة عليه.
لا يجب على هذا النظام المتحجر في طهران... نظام الولي الفقيه، الاطمئنان إلى خفوت الاحتجاجات الشعبية وتراجع حدتها، فالنار كما يقولون تحت الرماد، ويمكن أن تعود للاشتعال من مستصغر الشرر... والقضية لم تعد فقط قضية شباب إيراني ضاق ذرعاً بكل هذا النظام، فحتى النخب السياسية والاقتصادية في المجتمع الإيراني باتت لا تتردد في التعبير عن حنقها ورغبتها بالتغيير... فالعالم كله يتغير، إلا هذا النظام، الذي لا يزال يصر على تصدير أزماته ومشاكله إلى الخارج.
إنّ الإيرانيين باتوا اليوم بحاجة إلى مزيد من الانفتاح ورفع سطوة العصا الأمنية عن رؤوسهم، وهم باتوا يطالبون بمزيد من المشاركة السياسية وبحقهم في إدارة شؤون بلادهم، بعيداً عن الطبقة السياسية المرتبطة بالمرشد الأعلى على خامنئي الذي يمتلك من الصلاحيات ما يكبل بها كل مؤسسات الدولة، ويجعل إيران بلداً ديكتاتورياً يحكم باسم الدين، ويوفر قداسة للولي الفقيه يصعب تحديها.
إنه من المؤكد أن إيران الولي الفقيه قبل موجة الاحتجاجات الأخيرة التي تبعت مقتل مهسا أميني لن تكون هي كما بعدها... فالزمن يتغير، وحجم الضغط والمعاناة التي يعيشها الشعب الإيراني لم يعد يحتمل، وعلى نظام الولي الفقيه أن يتجاوب ويقدم التنازلات لئلا يفقد السيطرة والمبادرة... صحيح أنه نظام يمتلك أدوات القمع ويسيطر على مؤسساته السيادية والعسكرية والأمنية ولا يخشى نوعاً من الانقلاب، لكنه لا يستطيع المراهنة طويلاً على تحمل الناس والشباب لمعاناتهم المعيشية والاجتماعية، وحالة الانغلاق التي تفرض عليهم تحت شعارات كبيرة لم تعد تطعم خبزاً.