حتى لا يسرق «المونديال»؟!

حتى لا يسرق «المونديال»؟!

الأربعاء - 27 جمادى الأولى 1444 هـ - 21 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [16094]
عبد المنعم سعيد
رئيس مجلس إدارة صحيفة المصري اليوم بالقاهرة، ورئيس مجلس إدارة ومدير المركز الإقليمي للدراسات الإستراتيجية بالقاهرة

وصل «المونديال» العالمي في كرة القدم عند محطته الأخيرة في الدوحة القطرية، وهو محمل بكل ما يدعو إلى الفخر بقطر وبالعالم العربي.
نجحت الدولة القطرية في أخذ قطار المسابقة إلى نهايته السعيدة بنجاح من فاز وأسف من خسر؛ وكان الجميع جزءاً من ملحمة رائعة في التنظيم والبناء والتفوق على كل ما سبق من مسابقات في دول ومناطق مختلفة من العالم. كان المشهد مثيراً من ناحيتين: أولاهما أن الهجوم على قطر بصدد إقامتها للمونديال، سواء من ناحية الاستحقاق أو من زاوية القدرة؛ قد وصل إلى طريق مسدود. كانت الاستجابة العربية للمونديال القطري أكثر من رائعة؛ السعودية ودول الخليج ومصر وآخرون فتحوا كل الأبواب لمن يريد السفر إلى الدوحة، وذهب الزعماء العرب كما يحدث في حفلات العرس العربية للتهنئة والمباركة على حدث رائع. ولم تنس قطر أن المناسبات الرياضية يمكنها أن تستخدم من أجل تحقيق إنجاز دبلوماسي، فكانت المصافحة بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي، والتركي رجب طيب إردوغان، لكي تستعيد العلاقات المصرية التركية بعضاً من حيويتها، ويستمر مسار التهدئة في المنطقة الذي انطلق منذ «بيان العلا» الصادر عن قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية. وثانيتهما أن الفرق العربية في المونديال - قطر والسعودية وتونس والمغرب - قدمت إنجازاً رائعاً تميز بالقدرة الفنية والروح الرياضية عند الفوز والهزيمة. وعندما استقر الأمر للفريق المغربي أن يصل إلى الدور قبل النهائي بعد أداء متميز وراق أمام الفريق البرتغالي، بدا كما لو كانت الأمة العربية كلها قد انتفضت من المحيط إلى الخليج.
«كلنا المغرب» صيحة ترددت في الدول العربية، وحتى في غزة التفت الجموع على الأعلام المغربية والفلسطينية والقطرية. وصلت رسالة الحماسة العربية إلى إسرائيل عندما نشرت صحيفة «جيروزاليم بوست» مقال رأي تحت عنوان «عودة القومية العربية»!
كل هذه كانت أخباراً سعيدة، وما جعلها أكثر سعادة أن قطر قدمت نموذجاً جديداً في تمثيل العرب وثقافتهم برقة وشياكة بلا ادعاء، ورغم الهجمة الإعلامية من «واشنطن بوست» على قطر، وبالمناسبة على مصر أيضاً واستضافتها لمؤتمر المناخ في شرم الشيخ، فإن من ذهبوا إلى الدوحة لم يجدوا هناك إلا كل ما هو كرم وكل ما هو مثير من ثقافة وحضارة. إلى هنا لم يكن هناك بالنسبة للعرب إلا ما يدعو إلى السرور والحبور؛ وربما أدى أيضاً إلى ذيوع الصيحة «لماذا لا نفوز بكأس العالم؟» عندما اقتربت المغرب من الدور قبل النهائي. وبالنسبة للدول العربية التي لم يقدر لها الذهاب إلى المسابقة الأعلى في كرة القدم، مثل مصر، جرت المراجعة عن أسباب الحرمان من مشهد عالمي بهذا القدر. تردد القول إن الرياض والقاهرة سوف تطلبان تنظيم كأس العالم 2030.
القضية الفلسطينية حصلت على قدر غير قليل من الذكرى، ودرجة عالية من الحماس تمثل في حمل الأعلام الفلسطينية.
كان معروفاً أن «المونديال» يعقد هذه المرة في دولة إسلامية، وفي منطقة غالبيتها مسلمون، وكان اللاعبون دوماً يسجدون بعد تسجيل الأهداف، وعند انتهاء المباريات كاسبين أو خاسرين؛ ولكن الدعوات للفرق كانت جارية لرب السماوات والأرض من كل العرب مسلمين ومسيحيين، وما فيهم من ملل ونحل.
كانت اللحظة عربية بامتياز، التقت فيها شعوب المشرق والمغرب العربي، كما لم تلتق منذ وقت طويل لتشجيع الفرق العربية ما دامت لا تزال مستمرة في المسيرة. لعبت شبكة «بي إن» القطرية التلفزيونية دوراً مهماً عندما كانت كاميراتها تدور بين تجمعات اللاجئين الفلسطينيين ومقاهي القاهرة وبغداد، وفي الجزائر، كان التأييد حماسياً من الشعب الجزائري. وفي الوقت نفسه كانت اللحظة عالمية ملتزمة بالتقاليد الرياضية العالمية التي تقوم على أسس إنسانية لا تفرق ما بين عربي ولا عجمي إلا بالتقوي، والالتزام والسلوك الرياضي القويم حيث لا فارق ما بين مغربي وفرنسي إلا بتسجيل الأهداف، وبعدها يحتضن إمبابي، حكيم. قبلة حكيم لوالدته صارت واحدة من الأيقونات العالمية التي تسترد بها الإنسانية قيمة صلة الرحم، والقيمة العليا للأم والأسرة بكاملها، في عالم لم يعد لديه وقت كثير للقيم التقليدية.
مشهد المظاهرات «الإسلاموية» خرج عن تقاليد «المونديال»، وأيضاً عن التقاليد الإسلامية الصحيحة التي تجعل من كل البشرية شعوباً وقبائل تتعارف مع بعضها البعض في الخير، وأكرمهم عند الله أتقاهم، حيث لا يوجد فارق ما بين فرنسي وعربي. صحيح أن بعضاً من الضيوف ارتدى ثياباً تشير إلى الحملات «الصليبية» بصلبانها وأغطية رأسها، ولكن هذه كانت حفنة لم تكن لديها هتافات تفرق بين الدين والدنيا. وحقاً فإن الحزم القطري في قضية المثليين كان في موضعه وقدره، فلم تكن هناك لا حملة على بشر في سبيل الظن أو التخمين، وإنما كان القرار واضحاً كما هو الحال في كل المسابقات باحترام التقاليد الوطنية، وعدم شرب الخمر أياً كان نوعها في الملاعب الرياضية. سارت المسابقة في طريقها كما هو مقدر لها أن تسير، وكم كان رائعاً أن قطر قدمت نموذجاً لأشكال تكنولوجية جديدة في التعامل مع الملاعب التي يمكن إنشاؤها ثم جمعها وطيها لاستخدامات أخرى فيما بعد، تعاون الدول الفقيرة التي تحتاجها، أو تستخدمها قطر إذا ما قدر لها إدارة كأس العالم مرة أخرى في جيل آخر وزمن جديد.
كل هذا الإنجاز لا ينبغي له أن يسرق بتحويل كأس العالم إلى حرب تجري بالصوت والحرب بين العرب وغيرهم. الغرض الأساسي من إقامة «المونديال» هو أن تجتمع أمم الأرض في مكان واحد، كما كان يحدث في «بابل» القديمة عندما كانت تتعدد اللغات واللهجات والألسنة في عمومها في أسواق مفتوحة لها تقاليدها التي تكون لغة التعامل بين الجميع. لفترة شهر تقريباً كانت قطر هي «بابل» القرن الواحد والعشرين، ولم تحدث واقعة واحدة تخل بالأمن العام، لا لقطر ولا لضيوفها من جميع الأجناس. في العموم كان ما جري هناك صوتاً كبيراً يرد على ادعاءات عالمية عن العرب الإرهابيين، والمضطهدين للنساء والأقليات، الذين يصطفون على أبواب السفارات الغربية طلباً للعلم أو الثروة أو كلاهما معاً؛ بينما يلعنون الجميع صباح مساء. «القضية الفلسطينية» أخذت الحق الذي تستحقه، ولكن تحويلها إلى قضية «إسلاموية» يغفل حقائق الانقسام والعجز والفرقة والتجربة الطويلة التي تجمع بين بطش الاحتلال وعجز المحتلين عن الوصول بمشروعهم القومي إلى ما حققته كل حركات التحرر الوطني في العالم من أهداف الاستقلال والتحرر. ولكن هذه قضية لها مكانها الآخر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو