هل سيصبح «السلام» نوعاً من الترف؟

هل سيصبح «السلام» نوعاً من الترف؟

الثلاثاء - 12 جمادى الأولى 1444 هـ - 06 ديسمبر 2022 مـ رقم العدد [16079]
داود الفرحان
كاتب عراقي

توصل الباحثون في تفاصيل تاريخ الحروب إلى أنها سلسلة متصلة من النزاعات القبلية شبه الدولية، بدأت قبل التاريخ الإنساني المدون، ثم تحولت إلى حروب بين المدن أو الأمم أو الإمبراطوريات. وتوسعت التسمية من حروب برية إلى حروب بحرية ثم قوات جوية، وهي في طريقها إلى أن تصبح حروباً فضائية كما تنبأت بها أفلام «الخيال العلمي». لكن لكل عصر نوعه من الحروب وأسلحتها وتكتيكاتها كما قال المؤرخ الألماني كارل فون كلاوزفيتز الذي شارك في الحروب النابليونية، وما زالت أفكاره تُدرس في الأكاديميات العسكرية.
ومن حسنات الأمم المتحدة أنها توصلت إلى مجموعة من القوانين والاتفاقيات والمعاهدات والشروط المركزية، لدفع عجلة السلام والأمن الدوليين. إلا أنها تصطدم في أحيان كثيرة بنفوذ الدول العظمى، وخاصة أعضاء مجلس الأمن أو الأحلاف الآيديولوجية. ومن هذه الاتفاقيات التي تسعى إلى منع الحروب أو تحديدها أو تمددها اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية (1948) والاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1965)، وللأسف أن هذا التمييز لا يشمل الدين أو الطائفية في الوقت الذي تعاني فيه كثير من المجتمعات غرباً وشرقاً من حروب الأجناس والطوائف والأديان والمعتقدات والأحزاب. وفي عام 1996 تم توقيع معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية.
فضلاً على ذلك يشمل القانون الإنساني الدولي مبادئ وقواعد تنظم وسائل وأساليب الحرب، لتوفير الحماية الإنسانية للسكان المدنيين والمقاتلين المرضى والجرحى وأسرى الحرب، تكراراً لاتفاقيات جنيف لعام 1949 تحت رعاية اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهي تشمل الهلال الأحمر تنفيذياً في حدود نشاطاته الإنسانية.
للمطربة الراحلة ليلى مراد أغنية قديمة ناجحة تقول فيها عن مزايا العرسان الذين تقدموا للزواج منها: «كلام جميل وكلام معقول ما أقدرش أقول حاجة عنو»! فكل قرارات الأمم المتحدة ومعاهداتها واتفاقياتها ومجلس أمنها «كلام جميل وكلام معقول»، ولو طبقت كما ورد في النصوص لعاشت البشرية بسلام وأمان، من دون أن نسمع بـ«داعش» ولا «حزب الله»، ولا فيلق القدس ولا الميليشيات الإرهابية، ولا جرت حرب روسيا وأوكرانيا، ولا استمر الإرهاب الإسرائيلي للشعب الفلسطيني الشجاع، وإصرار تل أبيب على الاختراق اليومي لاتفاقيات منع ومعاقبة جرائم الإبادة الجماعية في فلسطين المحتلة. سمعنا فقط عن «قلق» الأمين العام للأمم المتحدة من أمين إلى آخر.
في بداية الألفية الثالثة عقد زعماء الدول والحكومات اجتماعاً بمقر الأمم المتحدة لتجديد إيمانهم بالمنظمة الدولية وميثاقها، وأصدروا بياناً يدعو إلى تحقيق مزيد من السلام والرخاء والعدل في العالم. وقبل أن يجف حبر «البيان» شنت الولايات المتحدة وبريطانيا حرباً على دولة تبعد آلاف الكيلومترات عنهما بالصواريخ والقنابل والدبابات، بحجة امتلاكها أسلحة دمار شامل، في حين أن الدولتين المعتديتين هما منجم أسلحة الدمار الشامل من القنابل الذرية إلى العبوات الكيمياوية واليورانيوم والغازات السامة. والدولتان لا تنفيان امتلاكهما هذه الأسلحة الفتاكة، ودمرا خلال أسبوعين العراق الذي صنع تاريخ العالم قبل آلاف السنين، وكان رمزاً للحضارات الإنسانية الأولى. لقد بدأت الألفية الثالثة بشن الحرب على العراق وتدميره واحتلاله ثم تسليمه عداً ونقداً إلى نظام ملالي التجهيل والتدجيل في إيران.
ووفقاً لميثاق الأمم المتحدة لا يمكن للجمعية العامة أن تقدم توصيات بشأن المبادئ العامة للتعاون في حفظ السلام والأمن الدوليين، بما في ذلك نزع السلاح والحل السلمي لحروب قائمة. وهذه النقطة بالذات تعيق تدخل الجمعية العامة إذا أخفق مجلس الأمن في إيجاد حل لأزمة ما خاصة مع وجود حق النقض «الفيتو» بأيادي خمس دول كبرى. فليس من حق الجمعية العامة - مثلاً - إرغام كوريا الشمالية على عدم إجراء تجارب على صواريخها العابرة للمحيطات أو قنابلها النووية، مع أن مجلس الأمن الدولي نفسه فشل في ذلك. والخطورة في هذا الشأن أن الخطوة التالية هي إعلان الحرب فعلياً بين الكوريتين. وكمثال سابق حين رفضت الجمعية العامة إعلان الحرب على العراق في عام 2003، لم تتوان الولايات المتحدة وبريطانيا عن شن الحرب واحتلال العراق من دون الالتزام برفض الجمعية العامة. وهكذا فإن هذه الجمعية لم تستطع التدخل لوضع حد للحرب الروسية الأوكرانية التي لا توجد فيها أي بارقة أمل لوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات سلام بين الجانبين. وفي هذه الحالة ليس أمام الجمعية العامة سوى اللجوء الرتيب لإصدار البيانات الرافضة أو المنددة كما هو الحال مع العدوان الإسرائيلي المستمر على الشعب الفلسطيني، أو لجوء النظام الإيراني الإرهابي إلى قمع مظاهرات الاحتجاج اليومية ضد استخدام الأجهزة الأمنية الإيرانية أقسى وسائل القمع ضد الأطفال والمراهقين والبالغين على حد سواء، واعتقال ألوف الطلبة والطالبات. وبالتجربة فإن الأنظمة الإيرانية أو الإسرائيلية أو الحوثية لا تعير اهتماماً لبيانات الجمعية العامة أو حتى مجلس الأمن الدولي.
من الغرائب السياسية، أن الدول أصبحت تستطيع شن حروب على جاراتها أو دول قصيّة متى شاءت. وصار السلام نوعاً من الترف الذي يمكن مصادرته أو خرقه ولا ضرورة له ولا مستقبل. حتى مجلس الأمن لم يعد يهتم كثيراً بتلبد غيوم كثيفة تنبئ بحروب طاحنة هنا أو هناك، ليس بين جارين فقط، وإنما بين دولة في القارة الأميركية وأخرى في آسيا، أو دولة على ساحل المحيط الأطلسي وأخرى على ساحل المحيط الهادي. إنها نوع مستحدث من السياحة الحربية. وصار من اللازم تأسيس منظمة لجدولة الحروب حسب أولوية الطلبات وبالتناوب، لكي نعرف متى تبدأ هذه الحرب ومتى تنتهي، ولا تباغتنا على حين غرّة. وليس مهماً أن تكون الحرب مشروعة أو قسرية. يجب وضع حد لفوضى الحروب، فهي ليست جمعية استهلاكية ندخلها متى شئنا ونخرج منها متى نريد!
ومن الأهمية بمكان تفعيل أدوار المنظمات الإنسانية والثقافية والإعلامية في الحدّ من الحروب، وإنقاذ من يمكن إنقاذهم من أطفال ونساء ورجال، وتوفير الأغذية والأدوية. نحن لم نسمع أو نقرأ عن تدخل منظمات الطفولة واتحادات النساء وجمعيات حماية كبار السن وذوي الإعاقات في الحرب الروسية - الأوكرانية، وفي العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين، وفي القمع الإيراني التعسفي على احتجاجات الشعب الإيراني في ضوء تشريعات الملالي ضد المرأة والطفل، تحت شعارات خرافية وتضليلية وتسلطية. لا مفر من تأدية الهلال الأحمر واتحاد النساء ودور العجزة وبيوت الأيتام أدوارهم في حالتي الحرب والسلام.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو